كاتب يدعو إلى إعادة اكتشاف الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا عربيا

تم نشره في السبت 5 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً

     القاهرة-  يرى الكاتب المصري عصام عبد الله أن أفكار الفيلسوف الفرنسي الراحل جاك دريدا لا تزال بحاجة إلى إعادة اكتشاف نظرا لأنه يعالج مشكلات عصرية تتماس مع قضايا عربية وذهب إلى أن "أصولية (زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن) لا تختلف كثيرا عن أصولية (الرئيس الأمريكي) جورج بوش.
 
     وقال عبد الله أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس المصرية أمس الجمعة لرويترز إن كثيرا من النقاد والباحثين في العالم العربي تجنبوا التعرض لأعمال دريدا (1930  - 2004) بعد قراءات متفرقة لترجمات بعض أعماله "تحت وهم أنه صعب. وكان يجب قراءته في مصادره الأصلية."
 
    وصدرت لعبد الله هذا الأسبوع بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تنتهي دورته السابعة والثلاثون يوم الثلاثاء القادم الطبعة الثانية من كتاب (جاك دريدا.. ثورة الاختلاف والتفكيك) الذي طبعته مؤسسة روز اليوسف بالقاهرة ويقع في 116 صفحة من القطع المتوسط.
 
    واكتسب دريدا الذي ولد في الجزائر شهرة عالمية بنظريته الداعية إلى تفكيك بناء أي نسق ثقافي أو حضاري أو سياسي أو لغوي تمهيدا لتحليله. وصار فيلسوف التفكيك من المفكرين البارزين في العالم في نهاية القرن العشرين. ونعاه الرئيس الفرنسي جاك شيراك قائلا  "إن فرنسا أعطت العالم به واحدا من أبرز الوجوه الثقافية في عصرنا."

    وقال عبد الله إن دريدا من الفلاسفة الذين يمكن أن يقدم الفهم الصحيح لأعمالهم خدمة للقضايا العربية خاصة فيما يتعلق بموقفه من إسرائيل وأمريكا لانه "فهم جيدا كجزائري يهودي يعيش في فرنسا وعاصر معظم التحولات العالمية الكبرى في القرن العشرين خطر المعتقدات والأيديولوجيات التي تقسم العالم إلى نقيضين تامين(هما) اليمين واليسار.. الغرب والشرق."

     ومضى عبد الله موضحا أن "مفاهيم الثقافة العربية التليدة تميل إلى تسكين البشر والآراء والمواقف في خانتين اثنتين.. مع أو ضد .ولأننا (العرب) متعصبون وندعي امتلاك الحق والصواب وعاجزون عن اتخاذ موقف حيال فلسفة دريدا فكان الحل العبقري هو غض الطرف عن أعماله تأليفا وترجمة باستثناء حوار وحيد أجري معه وصدرت ترجمته في مصر."

     وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر كتاب (ما الذي حدث في حدث11 سبتمبر)  وهو حوار أجرته مع دريدا عقب هجمات 11 سبتمبر أيلول عام 2001 على الولايات  المتحدة أستاذة الفلسفة الأمريكية جيوفانا بورادوري. وترجمت الكتاب إلى العربية الشاعرة المصرية صفاء فتحي.

     وعلق عبد الله على ترجمة هذا الكتاب بالذات قائلا إن "هذا الاختيار في حد ذاته يؤكد استمرار فكرة التصنيف الثنائي للبشر كما يفسر استبعاد أعمال دريدا التي ستكشف(إذا ترجمت) ثغرات وفجوات في الوعي (العربي) وهكذا يسهل اتهامه بالصعوبة والتخريب كما تصبح قراءته أيديولوجيا وفق عقيدته اليهودية حائط الصد الأول من الناحية النفسية وتبريرا لعدم ترجمته."

     وأشار إلى أن دريدا تميز في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر "بإدانته المتواصلة لسياسة فرنسا الاستعمارية. كان يتحدث دائما عن الحنين إلى البلد  الذي نشأ فيه."  وأضاف أن الفيلسوف الذي قال إنه "يهودي لا يهودي" كان يتجاوز انتسابه إلى الديانة اليهودية قائلا "على الرغم من كل المشاكل العالقة مع يهوديتي فإن إسرائيل في نظري لا تمثل اليهودية ولا الدياسبورا (المنفى والشتات). ولو كانت هناك حكومة عالمية عادلة أي أمم متحدة طبيعية لما سمحت بحصول كل هذه الفظائع في فلسطين."

     وشدد عبد الله على أن فلسفة دريدا التي وصفها بالخطورة على كثيرين "تلامس العصب العاري لكل ميتافيزيقا وتصطدم بالجدار المكهرب الذي يخشى البشر الاقتراب منه حيث تمتحن افتراضاتهم وتعرى جذورهم أكثر مما ينبغي. هذا ما أزعج المحافظين في أوروبا وأمريكا إذ رأوا في فلسفته نوعا من العدوان على الحضارة التي يفتخرون بها" .

     وأضاف أن دريدا لم يكن يريد أن "يلصق جريمة نيويورك (هجمات 11 سبتمبر)  بحفنة من الإرهابيين بل أشار إلى مسؤولية الإدارة الأمريكية عن الأحداث. رأى الحدث أحد أعراض أزمة المناعة الذاتية كما أشار إلى استمرار الحرب الباردة  فالذين نفذوا (هجمات) 11 سبتمبر هم من بقايا الجيوش التي تبنتها أمريكا في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي (السابق) في أفغانستان وها هي البقايا لا تسلم بنهاية الحرب الباردة وتوجه عنفها نحو القوة المتبقية."
 
      وقال إن دريدا كان يرى أن الخطاب الأصولي لزعيم تنظيم القاعدة ابن لادن لا يختلف كثيرا عن الخطاب الأصولي للرئيس الأمريكي باعتبار الأصولية "هي العودة إلى  نقاء الأصل والتطهر من التلوث الطارئ على الأصل."

     وأضاف عبد الله أن هذه الفكرة في رأي دريدا تهدف إلى تحصين الأنظمة الشمولية في العالم بدعم من أمريكا مشيرا إلى أن تفكيك الخطاب السياسي الأمريكي "يحيل إلى الكتاب المقدس ويكشف عن استمرار المحاولة للبحث عن مسوغ لاهوتي للخطاب السياسي وهو ما يفعله ابن لادن في خطاباته المتشددة التي تحاول العثور على آليات يضمنها النص القرآني."

     وذكر أن دريدا ألقى محاضرة في مؤتمر عقد بجامعة فرجينيا بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لإعلان الاستقلال الأمريكي (عام 1776) تساءل فيها عن الوضع الشرعي والقانوني لوثيقة الاستقلال التي تشكلت بموجبها دولة وقومية جديدة هي الولايات المتحدة الأمريكية كما تساءل عن الذين وقعوا تلك الوثيقة التي وصفها بالخطيرة التي لم يكن النواب بصفتهم وكلاء الشعب مصدرها.

    وقال إن عبارة "فليبارك الرب أمريكا" حسب دريدا لا تستند إلى دستور مكتوب "إذ لم يكن الموقعون (على وثيقة إعلان الاستقلال) لحظة التوقيع مزودين ديمقراطيا بسلطة تؤهلهم للعب هذا الدور فكان الشاهد في تلك الحالة هو الله على اعتبار أن الإعلان يحتكم إلى قاضي العالم الأعلى."

     وعلق قائلا "هكذا استند دستور أبرز دولة تدعو ظاهريا إلى قيم الديمقراطية والحرية (أمريكا) إلى أصولية دينية لا تزال تتحكم في توجهاتها السياسية ورؤيتها للعالم إلى اليوم."

التعليق