قصر في كابول يقف شاهدا على تاريخ افغانستان المضطرب

تم نشره في الاثنين 24 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً

      كابول - ليس ثمة لوحات في قصر تاجبيج الا ان الجدران التي تركت الاعيرة النارية بصماتها عليها تحكي قصة تاريخ افغانستان المضطرب. يرقد القصر الذي أتت عليه حروب عصفت بالبلاد لأكثر من ربع قرن في الاطراف الغربية لكابول فوق تل بين مرتفعات تغطيها الثلوج عند سلسلة جبال كاروخ التي كانت العائلة الملكية الافغانية فيما مضى تتنزه وتمارس فيها الصيد.

     اليوم أصبح القصر مركزا لنقطة مراقبة تضع فيها قوات حفظ السلام التابعة لحلف شمال الاطلسي مدفعا آليا. وقد كان من قبل قاعدة للقوات السوفييتية حينا ومركزا للمجاهدين الافغان حينا آخر ونقطة حصينة للقاعدة ورجال طالبان لفترة من الوقت. قال الجندي الكندي دايكي الذي يحرس القصر مع بعض الجنود المجريين من قوة حفظ السلام المؤلفة من ثمانية الاف جندي "لم أتخيل قط أنني سأعيش في قصر."

      وتغطي الارض أسلاك متصلة بمصابيح فسفورية لردع الاطفال الذين يتسللون لجمع الحطب أو لسرقة ما قد يتركه جنود الاطلسي دون حراسة. قال دايكي "إنه قصر غامض خاصة عندما تصفر الرياح وتسقط الثلوج على سقفه."
     وفيما يسعى الرئيس حامد كرزاي لإقامة نظام ديمقراطي بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين فإن القصر أشبه بضريح للملكيين والشيوعيين المتزمتين والاصوليين الاسلاميين الذين حاولوا وفشلوا جميعهم في فرض توجهاتهم على افغانستان.

     وقد خلف ساكنو القصر السابقون جميعهم بصماتهم قبل الرحيل. ففي المقر السابق لقيادة القوات السوفييتية توحي صورة حائطية لسانتا كلوز في احدى قاعات الطابق الارضي بمشاهد احتفالات بعام جديد قرعت فيها الكؤوس المترعة بالفودكا. وهي تحمل رسالة باللغة الروسية تقول "عام سعيد 1988-1989".
     وبعد عشرة أيام من الاحتفال بالعام الجديد تخلت الفرقة عن القصر وبحلول 15 فبراير شباط 1989 رحل اخر جندي من افغانستان لتنتهي تسعة أعوام من الاحتلال الدموي عديم الجدوى.

      وفاليري ايفانوف الممثل التجاري الحالي لروسيا كان مستشارا في السفارة السوفييتية بكابول عندما كانت طائرات النقل السوفيتية تحلق فوق كابول مع بدء الغزو السوفيتي في اليوم السابق على عيد الميلاد قبل 25 عاما.

       وبعد أيام شاهد ايفانوف من مجمع السفارة الذي لا يبعد أكثر من 1.6  كيلومترا عن القصر عناصر المخابرات السوفيتية (كيه.جي.بي) وهم يجتاحون القصر ليقتلوا حفيظ الله أمين الشيوعي الذي أسقط وقتل سلفه المدعوم من موسكو نور محمد تراقي.  قال ايفانوف "أذكر مشهد المصابيح وهي تهتز في قصر تاجبيج فيما جرى اجلاء الجرحى."  ولا يمكن لأحد التنزه في المرتفعات المحيطة بالقصر الان بسبب الألغام.

     وثمة طريق يفضي الى مبنى يشبه برجا للمراقبة الجوية. وكان هذا المبنى البناية فيما سبق مطعما أقبل عليه الارستقراطيون الافغان ثم صار مقصفا للضباط السوفيت. ولا يتوقع لهذا المطعم أن يعود الى سابق نشاطه. قال الجندي الكندي محذرا "توجد هنا جميع أنواع الذخيرة من حولنا. ستجد الألغام المضادة للدبابات والألغام المضادة للأفراد والقنابل  العنقودية."

      وشيد القصر الملك أمان الله خان في نهاية العشرينيات على الطراز الاوروبي لكن بملامح مستوحاة من حضارة اسيا الوسطى الاسلامية. وهو يعكس شخصية صاحبه الذي كان معجبا بجهود تركيا من أجل التحديث عقب انهيار الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى.

     ولم يعش أمان الله في تاجبيج قط. اذ لم تكن افغانستان مستعدة لاصلاحاته ومنها تعليم النساء. وقد توفي في المنفى بعدما هرب من كابول في 1929 اثر انتفاضة شعبية.

 ومقارنة بأطلال تحفة أمان الله الاخرى وهي قصر دار الامان القريب يبدو قصر تاجبيج أشد قوة رغم بعض الدمار.

       وتبدو الندوب واضحة على مبنى قريب مؤلف من ثلاثة طوابق يحفل بثقوب  الرصاص والرسوم على الجدران من الداخل. وثمة اثار واضحة لإطلاق نار كثيف على جزء من جدار في أحد ممرات الطابق العلوي. قال دايكي "يبدو انها كانت عملية اعدام بالرصاص."  وتحمل الجدران أيضا تذكارات الجنود من شتى الجنسيات.  وفي نهاية احدى الممرات كتب احدهم بالانجليزية "موت واحد مأساة أما موت مليون فهو مجرد احصاء. "ستالين"

      وثمة كتابات بالروسية لجنود يبثون فيها حنينهم لموسكو وفلاديفوستوك واعترافات بألم الاحتلال الذي كلف السوفيت 15 ألف قتيل بالاضافة الى أكثر من مليون قتيل افغاني.

 وعند المدفع الالي وضع أحد جنود حلف شمال الاطلسي عبارة للفيلسوف الاغريقي أفلاطون يقول فيها "الموتى وحدهم سيرون نهاية الحرب."  في الوقت نفسه تتناثر على الجدران تمنيات بالحياة المديدة والدعوات الطيبة لطالبان وأسامة بن لادن زعيم القاعدة.
 

التعليق