الدافعية للتغيير عند المدمنين على الكحول والعقاقير المخدرة

تم نشره في الأحد 16 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • الدافعية للتغيير عند المدمنين على الكحول والعقاقير المخدرة

      هناك سؤال افتراضي عن الدافعية وخاصة في السلوك الادماني, هل المدمنون هم فاقدو الدافعية للتغير بالوراثة؟ وللاجابة على هذا السؤال يجب الاشارة الى دليل الدراسات بأن هناك عوامل هي محددات مهمة في امكانية وكيفية حدوث التغيير, ودافعية المريض تتأثر بعدة عوامل محيطة من حوله, ولا يعتقد بأن الدافعية هي صفات شخصية يحملها الفرد او هي حالة داخلية عامة, ويمكن فهم الدافعية على انها مرحلة الجاهزية للتغيير وانها حالة داخلية تتأثر بعوامل خارجية وبمعنى اخر هي احتمالية حدوث سلوكيات محددة (معينة) ونتيجة الابحاث العديدة على مدى قرن من الزمان في مجال التعلم فإنه يتوفر الان العديد من النماذج المفهومة والادوات العملية لزيادة او نقصان احتمالية حدوث سلوك معين.

      وقد وصف كل من بروشاس  وكارلودكليمنت  ست مراحل من خلالها يمر المدمنون للوصول الى التغيير, وهي مرحلة ما قبل التفكير،ومرحلة التفكير،ومرحلة الوصول الى القرار،ومرحلة الفعل ،ومرحلة الثبات ،ومرحلة الانتكاس .

ان نقطة الدخول الى عملية التغير هي مرحلة ما قبل التفكير والمدمن في هذه المرحلة لا يضع في باله ولا يفكر في امكانية التغير وقد يستغرب اذا ابلغته بأنه يعاني من مشكلة, وان الاشخاص في هذه المرحلة نادرا ما يأتون للمعالجة وان أتوا يكون حضورهم قصرا.

      ان المريض يحتاج في هذه المرحلة الى معلومات وتغذية راجعة لرفع درجة انتباهه الى المشكلة واعطاء نصائح في هذه المرحلة يمكن ان يعيق التقدم وعندما يرتفع ادراك الشخص للمشكلة فإنه يدخل في فترة من التأرجح وهي بداية مرحلة التفكير, والمدمن في هذه المرحلة يعتقد ويفكر في التغير ويقاومه في نفس الوقت ويسمح بالحديث عن المشكلة دون التدخل, وتوصف خبرة مرحلة التفكير بأنها نوع من الصراع بين الاسباب الداعية للتغير والاسباب التي تؤيد البقاء على نفس الحال, ومن العادي والشائع ان يأتي المدمنون الى المعالج في هذه المرحلة, وعلى المعالج في هذه المرحلة ان يساعد بأن تميل الكفة في اتجاه التغير.

      مرحلة اتخاذ القرار: وفي هذه المرحلة يبدأ المدمن في ان يحدث نفسه بأنه عليه عمل شيء حيال مشكلته وان هناك بعض الاشياء يجب تغييرها, وفي مرحلة اتخاذ القرار هناك ما يسمى نافذة الفرصة, اي ان النافذة تفتح لمدة معينة من خلالها يدخل الفرد الى مرحلة الفعل وبهذا تستمر عملية التغير او انه ينزلق للخلف الى مرحلة التفكير, والمهم في هذه المرحلة هو مساعدة المريض لايجاد استراتيجية للتغير تكون مقبولة ومناسبة وفعالة.

مرحلة الفعل: يبدأ المدمن في هذه المرحلة بالانخراط في افعال محددة يهدف من ورائها الى حدوث التغير.

مرحلة الثبات: ان البدء في عملية التغير لا يعني ان التغير سوف يستمر, ان الخبرات الانسانية مليئة بالنوايا الحسنة والرغبة بفعل التغيير, ولكن كثيرا ما تحدث كبوات (زلات صغيرة) او انتكاسات كبيرة ترجعك خطوات الى الوراء, في خلال مرحلة الثبات يكمن التحدي في تثبيت الانجازات في المرحلة السابقة ومنع الانتكاس, ان ثبات التغير يحتاج الى نوع معين من المهارات والاستراتيجيات اكثر من تلك التي يحتاجها في انجاز التغير, فتقليل الشرب او التوقف عن تناول العقار المخدر, هي خطوة اولية تتبع بتحد اكبر وهو الابقاء على ثبات الامتناع, وفي النهاية اذا حدث الانتكاس فإن مهمة الفرد هي البدء من جديد, فالزلات والانتكاسات هي طبيعية ومتوقع حدوثها طالما ان الشخص يبحث عن التغير وعلى المريض ان يتجنب الاحباط وخيبة الامل ويسير قدما في طريق الشفاء.

ويمكن تحديد دافعية المدمن بالنقاط التالية:
- قبول تشخيص المعالج.
- ابداء الرغبة والحاجة الى المساعدة.
- ابداء عدم الارتياح لوضعه الحالي (كونه مدمناً).
- اتباع نصائح المعالج.
 وعلى العكس فانه لا يملك الدافعية للتغير (يقاوم التغير) في حالة انه:
- يرفض تشخيص المعالج.
- لا يبدي رغبة في المعالجة وانه غير محتاج للمساعدة.
- لا يبدو بأنه قلق او غير مرتاح لوضعه الحالي.
- لا يتبع نصائح المعالج.

       وعادة ما يحكم الناس على الدافعية من خلال ما يقوله المريض, ولكن اهتمامنا كمعالجين هو عادة بما يفعله المريض, ان الحالة الكلامية والتي يعتقد من خلالها بان المدمن ذو دافعية لا تعطينا الضمان وبانه في الحقيقة قد تغير, واتباع نصيحة المعالج واتباع برنامج شامل للتغير عادة ما تكون مصحوبة بنتائج ايجابية. وبما ان الدافعية هي احتمالية حدوث السلوك فانه من المنطقي ان نبحث عن طرق وتكتيكات تزيد من احتمالية تغير السلوك وهناك ثماني استراتيجيات وصفت من قبل ميلر عام 1985 لزيادة الدافعية وليس اي من هذه الطرق هو سحر والطريقة الفعالة هي مزج العديد من هذه الطرق معا وفيما يلي وصف لاهم هذه الاستراتيجيات:

اسداء النصيحة (Giving advice):

      ان احد العناصر التي تحث على التغير هي النصيحة المعدة جيدا وفي الوقت المناسب, حيث انها تزيد من امكانية ان يتوقف المرضى الذين يعانون من مشاكل جسدية عن الشرب او يغيروا في طريقة شربهم. وفي دراسة اجريت على المرضى الذين حضروا الى غرفة الطوارىء في المستشفيات العامة لاسباب واصابات متعلقة بالكحول فان المقابلات الفردية القصيرة والتي تتضمن النصيحة قد زادت معدل عودة المرضى للمعالج من 5% في عام 1961 ومن 56% الى 78% في عام .1968 وقد لا تحدث النصيحة التغير في معظم الاشخاص ولكن تأثير النصيحة الواضحة والمتعاطفة يجب ان لا يهمل وان لا يغفل عنه.

عناصر النصيحة الفعالية:

-تحديد المشكلة او المنطقة الخطر بوضوح.
-توضيح اهمية التغير.
-تأييد تغير محدود.
ازالة الحواجز (Removing Barriers)

        ان الطريقة الثانية هي تحديد وازالة الموانع المهمة التي تعيق جهود التغير. فالمدمن في مرحلة التفكير على سبيل المثال يمكن ان يقبل دخول العلاج ولكنه يكون غير متشجع لعمل ذلك لوجود حواجز عملية محددة مثل التكلفة, والتنقل, ورعاية الاطفال, والخجل والامان. ان هذه الموانع والعوائق تتداخل ليس فقط في الدخول للعلاج ولكن في جهود التغير بشكل عام, والارشاد الفعال يساعد المريض على تحديد العوامل المثبطة وكيفية التغلب عليها.

ان بعض العوامل الاقتصادية والتنقل هي عوامل واقعية وملموسة ولكن بعض العوامل الاخرى هي اقل واقعية واهمية مثل التأخير, والانتماء, والانسجام الثقافي, والانتظار الطويل على قائمة العلاج, ويمكن ان تؤدي هذه العوامل الى عدم تشجيعهم للانخراط في العلاج, وهناك موانع وعوائق خاصة عند المرأة يجب التعامل معها وكذلك في الاعمار المختلفة مثل المراهقين وكبار السن, فرعاية الاطفال خلال العلاج يمكن ان تكون عائقاً للعديد من النساء والتنقل والأمان يمكن ان يشكل اهتماماً خاصاً عند كبار السن وازالة هذه الموانع والعوائق يحتاج الى المزيد من الاستراتيجيات المعرفية والمعلومات.

تعزيز الخيارات (Providing choices)
         عند اخبار المدمن بما عليه فعله او اجباره على اتباع طريقة محددة, فانه قد يواجه ذلك بالمقاومة وخاصة عندما يشعر بان حريته في الخيارات محددة ومهددة, والتحفيز الحقيقي يعزز عندما يشعر بانه اختار طريقته للعمل بحرية كاملة وبدون تدخلات وتأثيرات خارجية, واعطاء الفرد الاختيار بين خيارات بديلة يقلل المقاومة ويزيد المطاوعة ويحفزه لمواصلة العلاج وبالتالي يحسن النتيجة ويمكن ان تعزز دافعية المريض باقرار حرية الاختيار مع النظر الى اهداف العلاج.

تقليل الرغبة للمخ

 (Decrease desireability)

       في مرحلة التغير فان الشخص يوازن بين فوائد وتكلفة التغير, والاستراتيجيات في مرحلة التغير تركز على ترجيح الوزن في جهة التغير.هناك نوع يرجح عدم التغير, وهو الاحساس بتكلفة ومخاطر التغير ونوع آخر وهو الشعور بالرغبة اتجاه السلوك الحالي. وهنا يجب تحديد الدوافع التي تشجعه للاستمرار في سلوكه الحالي, وبعد تحديدها يجب البحث من قبل المعالج عن طريقة فعالة لتقليل واخفاء ومعادلة هذه الدوافع, وعرض الاسباب على اساس منطقي لهذه الدوافع سوف يؤدي الى التغير. ان السلوك يمكن ان يتأثر اذا استخدم التأثير على الابعاد ذات القيمة المتعلقة بالرغبة وهناك استراتيجيات لتقليل الاحساس بالرغبة في هذا السلوك الذي يراد تغيره, ان قيمة الحوافز لهذا السلوك يمكن ان تقلل باستخدام طريقة علاج السيطرة على السلوك, التحسس الخفي الذاتي (covert sensetization), ويعتمد هذا العلاج على الربط بين التصور لسلوك غير مرغوب فيه وبين حدوث عواقب مزعجة بسببه, ويكون تصور السلوك غير المقبول اولا, ثم يلي ذلك تصور العواقب المزعجة او المحرجة التي يمكن ان تنجم عن ممارسته, وهناك طريقة اكثر شيوعا وهي زيادة ادراك ووعي الشخص المدمن وابراز العواقب السلبية لهذا السلوك, والتغيرات يمكن ان تحدث في المواضيع الاجتماعية التي تقلل التبعات الايجابية وتزيد التبعات السلبية لهذا السلوك الذي يخلق مشكلة. وان الدوافع لا توجد منعزلة داخل الفرد ولكنها تتأثر بالعلاقات والظروف المحيطة به, وان نفس الشخص عندما يواجه نفس المشكلة يكون اكثر او اقل ميولا لعمل شيء معين حيالها ويعتمد ذلك على وضعه, فاذا كان الاشخاص في حياته ينظرون الى المشكلة بانها شيء عادي يجعلونه من السهل الاستمرار في المشكلة بتجاهلها او ان يحموه من العواقب والتبعات وفي هذه الحالة تكون احتمالية التغير قليلة. واذا كان الاشخاص حول هذا الفرد المدمن قد ابدوا اهتماماً وعرضوا المساعدة ودعموا العواقب السلبية فان الدافعية للتغير تزيد.

التعاطف العلاجي (Empathy): هو عامل يشجع على التغيير, والمعالج المتعاطف يتصف بالصفات العلاجية التالية الدفء, واحترام ودعم والعناية والاهتمام بالمريض, والاستماع الجيد اليه. وبينت الدراسات التجريبية بان نموذج المعالج المتعاطف يكون مصحوباً بمقاومة اقل من قبل المريض, وبتغير كبير في السلوك, وببقاء هذا التغيير لمدى اطول.

تزويد المريض بخلفية عن وضعه الحالي (providing feed back):
اذا لم تكن تعرف اين تقف بالتحديد فانه من الصعب عليك ان تخطط للانتقال الى اي مكان اخر. بعض الناس يفشلون في التغير لانه ليس لديهم معلومات عن وضعهم الحالي وهذه المعلومات هي عامل مهم في الدافعية للتغير. فمثلا الفحص العام للجسم والذي تخبر فيه المتعاطي كيف ان الكحول آذاه جسديا يمكن ان يؤدي الى تغير طويل الامد والامتناع عن استخدام الكحول. وهناك عدة اشكال لاعطاء المريض خلفية عن وضعه, فالاهتمام من قبل العائلة والاصدقاء يمثل شكلاً من اشكال تزويد المريض بخلفية, والاحتفاظ بمفكرة تقييم ذاتي تسجل فيها كل عملية شرب للكحول او تعاط للمواد المخدرة كنوع من اعطاء الخلفية والتي وجد ان لها تأثيراً في زيادة الدافعية للتغير.

تحديد الاهداف (Clarifying Goals): من المهم للمريض ان يضع اهدافا يرى بانها معقولة ويمكن تحقيقها والا فانه سوف يقوم بمجهود ضئيل او لا يقوم بأي مجهود على الاطلاق للوصول الى الاهداف حتى ولو كانت مهمة. وان اعطاءه فكرة عما وصل اليه في مجهوده ففي رحلة التغير وما حقق من اهداف يعطيه دافعا للاستمرار وتحقيق مزيد من الاهداف الاكثر صعوبة.

التعليق