دائرة المطبوعات تمنع "شيفرة دافنشي" من التداول

تم نشره في السبت 15 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • دائرة المطبوعات تمنع "شيفرة دافنشي" من التداول

الأصوات تعلو بين المؤيدين للقرار والمدافعين عن الحريات

     عمان - انضمت الأردن أخيراً إلى قائمة الدول التي حظرت الراوية - الحدث "شيفرة دافنشي" للروائي الأميركي دان براون، على رغم أنها كانت متاحة في السوق.

    فقد منعت دائرة المطبوعات والنشر تداول الرواية في السوق الأردني. وأكد مدير الدائرة هاشم خريسات أن "قرار المنع جاء بتنسيب من مجلس الكنائس"، مشيرا إلى أن الرواية لم تعرض بداية على مجلس الكنائس - حسب التقليد المتبع - كونها رواية وليست كتابا دينيا مسيحيا، إذ تنص الآلية أن تعرض الكتب الدينية سواء المسيحية منها أو الإسلامية على الجهات المختصة، إلا أن ارتفاع مجموعة من الأصوات على غرار الأب رفعت بدر بمطالبات المنع داخل الأردن حدت بالدائرة إلى طلب رأي مجلس الكنائس.

     فبعد نزول الكتاب إلى الأسواق وإجازته من قبل دائرة المطبوعات والنشر، تعالت الأصوات التي تندد بالرواية لما فيها من تعرض لشخص السيد المسيح وتطالب بسحبها من الأسواق على غرار القرار الذي صدر في لبنان.

     وضمن إجراءات دائرة المطبوعات والنشر في الأردن فإن الكتب الدينية المتعلقة بالدين المسيحي يتم عرضها على مجلس الكنائس في الأردن ليتم التنسيب من قبلهم بالموافقة أو الرفض، إلا أن "شيفرة دافنشي" لم تخضع للرقابة الكنسية كونها رواية ولم يتم تصنيفها على أنها كتاب ديني مسيحي.

ضجة عالمية

    وعلى الرغم من الضجة العالمية التي أثيرت حول الكتاب طوال العام الماضي والانتقادات الحادة التي وجهت إليه في الصحف الأميركية والأوروبية إضافة إلى الصحف العربية، فإن دائرة المطبوعات والنشر لم تعمل على عرضه على الكنيسة للاستئناس برأيها إلا بعد أن علت هذه الأصوات داخل الأردن.

    يقول القس جون نور الأمين العام والمتحدث باسم مجلس الكنائس الأردني: "دائرة المطبوعات والنشر طلبت رأينا كمجلس بخصوص الرواية، بعد أن أثيرت مجموعة من الاعتراضات بخصوصها داخل الأردن، خصوصا من الأب رفعت بدر" اطلعت على الرواية فوجدت أنها بالفعل تسيء للسيد المسيح، وتمحصت في الجزئية التي تهمنا ككنيسة، ومن الواضح أن بها تلميحا وغمزا بما لا يتوافق مع العقيدة ومع صفات السيد المسيح سواء كما وردت في الإنجيل أو القرآن. وجدنا أنه ليس من المناسب تداولها، فنسبنا بذلك".

    ولدى سؤال القس نور حول صحة التحليلات التي تقول إن الإيحاءات المتواجدة في الرواية تخدم الفكرة الصهيونية عن هيكل سليمان يقول: "الحقيقة أنني لم أدرس هذه الجزئية بدقة لكنني شعرتها من خلال بعض التلميحات هنا وهناك. وفي اللحظة التي تيقنت فيها أن الرواية تطعن في قناعات الدين المسيحي أوصيت إلى دائرة المطبوعات بمنعه من النشر".

    الأب رفعت بدر كان من أوائل المتنبهين لتناقض هذه الرواية وما ورد في الإنجيل عن شخص السيد المسيح. يقول: "على مدار تاريخ الكنيسة تعرض شخص السيد المسيح لمحاولات دراسة وتحليل. والكثير من هذه المحاولات لا ترتكز على معطيات الكتاب المقدس ولا على أي أسس علمية. النظريات يجب أن تحترم الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة الذي لا ينكر أن فيه بعض الأخطاء، بحكم أن الكنيسة تدار من قبل بشر، إلا أن هذا الأمر لا يبرر الإساءة".الأب رفعت بدر استند في الكثير من نقاط انتقاده ورفضه لهذه الرواية إلى البيان الذي نشره المركز الكاثوليكي للاعلام في بيروت.

الأكثر مبيعا في الأردن

    سامي حسين صاحب مكتبة الطليعة العلمية وكشك أبو حسين للكتب والمنشورات في وسط البلد يقول: "الكتاب يباع بشكل سريع وملفت للنظر، ويحقق أكبر المبيعات في الفترة الحالية، ولا أجد أي مبرر لقرار المنع، فمن حق الناس أن تقرأ ما تريد وتقرر الصواب من الخطأ".

صالح جميل بائع في دار الشروق يقول: "الكتاب كان يباع بشكل ممتاز قبل أن يصدر قرار بوقف البيع. النسخ التي حصلنا عليها من وكالة النوزيع الأردنية نفذت، ولم نحصل على كمية جديدة".

    أما زياد طه مسؤول قسم بيع الكتب في وكالة الأنباء الأردنية فيقول: "مبيعات الكتاب كانت ممتازة جدا قبل أن يعترض عليه مجلس الكنائس الأردني على غرار ما حدث في بيروت. وأوقفنا بيعه الآن إلى إشعار آخر".

    أحمد أبو طوق صاحب المكتبة الأهلية في وسط البلد يقول: "لم يصلنا أي قرار رسمي بالمنع. الرواية حققت أفضل المبيعات منذ نزلت إلى الأسواق، والأمر الآن بيد دائرة المطبوعات والنشر. الكتاب جيد جدا وممتع، ومنعه هو منع للحريات واستخفاف بعقل القارئ. لم تعد الرقابة إلا فكرة روتينية محضة، فباستطاعتي الحصول على أي كتاب أريده من خلال أحد المواقع على الانترنت. الحقيقة أننا منعنا الرواية لأنها منعت في لبنان وهذا تقليد. لماذا لم يمنع الكتاب في الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، وهم حريصون على سلامة الدين المسيحي مثلنا وأكثر؟ لماذا لم يمنع في الدول العربية المجاورة، وكان المنع فقط في الأردن؟"

     عضو مجلس أمانة عمان والمركز الوطني لحقوق الإنسان سامية سكر سلفيتي تقول: "قرأت الرواية إلا أنها لم تسترع انتباهي كثيرا. استهوتني كأية رواية بوليسية فيها شيء من المغامرة، لكنني أعتقد أنها أخذت أكبر من حجمها، حتى فيما يخص الدين المسيحي. فالإنسان الذي ستتفكك عقائده من وراء قراءة هذه الرواية فهو بالتأكيد لم يبن دينه على أساس منطقي".

    وتضيف: "أنا ضد القرار. فليس من حق أحد أن يمنع أحدا من القراءة. غالبا ما يستخدم منع الحريات بشكل خاطئ من منطلق حماية الناس. وليس هناك أية حماية تأتي عن طريق المنع، إلا أن ما حدث أن هذه الرواية أخذت حجما كبيرا نتيجة منعها، وهو ما أثار فضول الناس لقراءتها ومعرفة ما بداخلها. وبرأيي الكتاب لا يستحق الضجة التي أثيرت حوله. محاربته زادت من مبيعاته".

الكتاب مسيء.. لكن لماذا نمنعه؟

    الأب حنا الكلداني من مطرانية اللاتين يتفق مع رأي الكنيسة في كون الكتاب يتعرض لشخص السيد المسيح، إلا أنه لا يعتقد بقرار المنع يقول: "من الخطأ التعامل مع الناس على أنهم قاصرون وغير قادرين على اتخاذ قرار بشأن كتاب سواء أكان جيدا أم سيئا. أنا أؤمن أن على الإنسان أن يقرر بنفسه رفض الكتاب من قبوله، ومن غير الصحيح أن نفرض حجرا على تفكير الناس وعلى عقولهم".

    الرواية حققت أعلى المبيعات في الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية بمجرد نزولها إلى الأسواق، إذ بيعت منها أكثر من عشرة ملايين نسخة باللغة الانجليزية قبل انتهاء العام الأول من الصدور، وترجمت لاحقا إلى عدة لغات منها العربية عن "الدار العربية للعلوم" في لبنان.

    وتصنف رواية شيفرة دافنشي على أنها رواية من النوع البوليسي الرومانسي. وقد أجرى المؤلف مزجا واضحا بين الأحداث والأماكن والأسماء التاريخية الحقيقية وبين الخيال، ما يوقع القارئ في خلط كبير، فكانت هذه نقطة دفاعه الأولى والأقوى أمام رجالات الدين المسيحي الذين اعترضوا على الرواية، بأن الخيال الروائي يجب ألا يؤخذ على محمل الحقائق التاريخية والدينية. 

    تدور الأحداث حول "جمعية سيون" والتي تم تأويلها من البعض بأنها "جمعية صهيون" حيث تحتفظ الجمعية ببعض الشهادات التاريخية والموجودة أيضا في مخطوطات البحر الميت. والتي تقول الى أن المسيح كان متزوجا بمريم المجدلية، وأنها انجبت منه ذرية عاشت في فرنسا، ومنها تأتي سلالة ملوك "ميروفينجين".

     وبحسب الرواية فان "جمعية سيون" أخذت على عاتقها كتمان السر حتى يحين الوقت الملائم لكشفه، ومنهم الفنان ليوناردو دافنشي الذي وضع في لوحته الشهيرة "العشاء الاخير" - بحسب الكتاب - علامات سرية على زواج المسيح بمريم المجدلية.

    الاعتراضات الأولى على الرواية كانت في مسقط رأسها في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الكنيسة هناك لم تستطع أن تطالب بالمنع من النشر أو السحب من الأسواق لما في ذلك من تعارض واضح مع السياق الديمقراطي الأميركي، وحرية المطبوعات والنشر السائدة هناك.

في الشرق الأمر يختلف

    إلا أن الأمر يختلف في الوطن العربي وفي المشرق، حيث يعد تأثير السلطات الدينية بما فيها الكنيسة أقوى من تأثير الكنيسة الغربية.ففي لبنان أثار "المركز الكاثوليكي للاعلام" ضجة حول إجازة الرواية وطالب المديرية العامة للامن العام اللبناني بمنع تداول الكتاب في الأسواق اللبنانية، سواء باللغة الفرنسية أو العربية أو الانجليزية. وبالفعل صدر قرار من المديرية بمنع تداول الرواية وسحبها من الأسواق في أيلول (سبتمبر) الماضي، غير أن الكتاب حظي بمبيعات كبيرة قبل أن يصدر قرار المنع.
 
     إلا أن أمر منع الكتاب من التداول ووجه ببعض الاعتراضات التي اتهمت المركز الإعلامي الكاثوليكي والأمن العام اللبناني "بقمع الحريات وضرب الثقافة في مهدها"، فجاء رد المركز بأن الثقافة الحقيقية والحرية في التعبير تقف عند حدود عدم المس بالمعتقدات وكرامة الشخص البشري.

    وحصلت الغد على نسخة من هذا البيان، ومنه: "سبق للأمن العام اللبناني أن أوقف عن التداول في الأعوام الأخيرة مشكورا عددا من الكتب العقائدية والفنية والسياسية التي تنطوي على مساس بالمعتقدات والأخلاق وأمن الدولة، سواء أكان المؤلفون ينتمون إلى بلدان عربية أو إلى بلدان أجنبية غربية وذلك بعد مراجعة السلطات والمرجعيات الروحية والمدنية المختصة.

     قياسا على ذلك رأى المركز الكاثوليكي للإعلام التابع للجنة الأسقفية لوسائل الإعلام أن كتاب "شيفرة دافنشي" للكاتب دان براون والمترجم إلى اللغة العربية عن إحدى دور النشر اللبنانية، ينطوي في مضمونه على ما يطعن ظلما بصلب العقيدة المسيحية ويمس شخص السيد المسيح له المجد ويشكل إهانه واضحة للاهوته وناسوته إذ يقول على سبيل المثال ان نسل المسيح في رحم مريم المجدلية".

    ويؤيد موزعو الكتب في الأردن مقولات غير مؤكدة عن أن نسبة مبيع الكتاب في بلاد عربية لم تنمعه كبيرة. فهو يحقق مبيعات عالية في سوريا والسعودية والإمارات.

صحف عربية وعالمية

    كتب محيي الدين اللاذقاني في مقالته المنشورة في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 20/9/2004 والتي تحمل عنوان "الرواية، باللمسة اليهودية الواضحة بين أسطر الرواية"، يقول: "أخذت رواية دان براون "شيفرة دافنشي" من الانتشار والتقريظ أكثر مما تستحقه حبكة بوليسية مثيرة، والسبب موضوعها. فقد اقترب ذلك الكاتب من قدس الأقداس وحاول نسف المسيحية من جذورها لصالح الديانة اليهودية مستخدما رموز تاريخ الفن. أما الاسلام فلا يشار اليه في رواية من ستمائة صفحة إلا ثلاث مرات تخدم الأسلوب الرمزي وتعطيه شرعيته التاريخية. فقبل دافنشي، الذي أخفى الكثير من الألغاز والأسرار في لوحاته وكتبه، بأربعة قرون، قام فيلسوفنا الكندي، كما يقر بذلك المؤلف، باستخدام شيفرات كثيرة في نصوصه بحيث لا يصل المعنى الحقيقي إلا الى من يفك تلك الشيفرات والرموز".
     أما ميخال شفارتس فيرى في مقالته النقدية المفندة للرواية والمنشورة في مجلة الحوار المتمدن على الانترنت بتاريخ 16/10/2004  أن ما أثار حنق الكنيسة فعلا هو تقديم المسيح من خلال الرواية كإنسان من لحم ودم. يقول: "رواية شيفرة دافنشي ليست بحثا علميا في تاريخ الكنيسة، بل رواية ادبية تأتي ضمن الادب البوليسي والرومانسية. وهي عبارة عن مزيج بين الخيال الادبي والحقائق التاريخية، منها الثابتة ومنها الغامضة او الاسطورية، وفي هذا تشبه رواية "اسم الوردة" للكاتب الايطالي امبرتو ايكو. وما اثار غضب المركز الكاثوليكي ان الرواية تثير قضية انسانية المسيح وتقدمه كإنسان من لحم ودم، وهو ما يتناقض مع فكر التيار الكاثوليكي الذي يرأسه البابا، والذي يؤمن بالطابع الالهي للمسيح.

     غير ان شيفرة دافنشي ليست رواية تبشيرية تحاول اقناع القارئ المسيحي بـ "حقيقة تاريخية" معينة، بل لها موقف "ما بعد الحداثة". حسب هذه الرؤية ليست هناك حقيقة واحدة، بل لكل دين "حقيقة" خاصة به، ولا يهم إن كانت مؤسسة على احداث تاريخية او اسطورية. فقراءة الكتاب تثقف القارئ وتغنيه بوجهة نظر فنية وتاريخية غير تقليدية، ولكنها قبل اي شيء، ترفيهية".

    من المعارضين كان الكاتب اسكندر حبش الذي كتب في مقالته المنشورة في صحيفة السفير،  بتاريخ 17/9/2004: "الرواية ترجمت إلى أكثر من أربعين لغة، من بينها العربية، حيث صدرت عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، إلا أنها لم تلق المصير نفسه بالنجاح، لأنها أثارت حفيظة جهل البعض، الذين يعتبرون أنفسهم، "حرّاس الأخلاق العالية"، إذ طلب المركز الكاثوليكي للإعلام من مديرية الأمن العام مصادرة الكتاب بحجة أنه يمس العقيدة المسيحية، وما كان على الرقابة إلا أن استجابت للسلطة الدينية، فأصدرت فرماناتها المحللة والمحرّمة، متجاهلة، أو لنقل محتقرة، رأي "الأبناء الرعويين" الذين يستطيعون، بالتأكيد، الحكم عمّا إذا كانت هذه الرواية، قد تبعدهم عن دينهم أم لا، أي بمعنى آخر، وكأنها تقول أن أبناء الكنيسة لا يفهمون وبأنهم هم فقط من يستطيع التمييز بين الخير والشر".

 

التعليق