نقل رسائل

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • نقل رسائل

 


جلسنا في قاعة الطعام، في فندق العقبة، بجانب الواجهة الزجاجيَّة التي تطلّ على البحر. طلبنا فطوراً عربيّاً.. وعندما مضى النادل ليحضره لنا، رحت أنظر إلى البحر. كانت هناك كرات بيضاء مربوطة ببعضها البعض بحبل أحمر لتوضِّح حدود المسبح البحري للفندق.

 وحدَّثت موسى عن قصَّة كتبها أحد أصدقائي؛ عن شابّ حاول أن يسبح في خليج العقبة، لكنَّه اكتشف تحت تهديد أحد "فتوَّات" الفنادق أنَّه لا يستطيع أن يفعل ذلك من دون أن يكون ساكناً في فندق شاطئي أو دافعاً لرسوم معيَّنة. ففوجئ الشاب بالأمر وراح يتساءل عمَّن ملَّكهم البحر أيضاً!


ودخل إلى القاعة شابَّان. أحدهما نحيف وقصير، يرتدي بذلة أنيقة وربطة عنق ذات عقدة مائلة قليلاً. أمَّا الآخر فكان ممتلئاً، متوسِّط الطول، ويرتدي بلوزة صوفيَّة.. استغربتُ كيف يتحمَّلها في هذا الطقس الدافئ. وحين اقتربا عرفت الشاب المتوسِّط الطول، أوَّلاً، ونظر هو إليَّ فعرفني أيضاً، فوقفت وتصافحنا. كان ذلك سعود قبيلات.


وقال سعود مستغرباً: ما الذي جاء بك إلى هنا؟!


وانتبه إلى موسى فجأة.. فوقف الأخير، وتصافحا بحرارة. ثم جاء الشاب النحيف الأنيق الذي كان قد توقَّف في هذه الأثناء عند طاولة مجاورة، وسلَّم على موسى أوَّلاً، وقد بدا أنَّه وموسى يعرفان بعضهما جيِّدا. ثمَّ سلَّم علي، وفجأة شدَّ على يدي وقال: كيف حالك يا ماجد؟


وعندئذٍ تذكَّرته ؛ كان قد سُجن معنا في سجن المحطَّة بعض الوقت.


ثمَّ سألني فيما إذا كنت أعمل في نفس الشركة التي يعمل فيها موسى. فهززت رأسي نافياً. وقلت بأنَّني جئت إلى العقبة يومي نقاهة بدعوة من موسى.


ودعوناهما للجلوس معنا.. لكنَّهما شكرانا وجلسا إلى الطاولة التي كان يقف عندها الشاب الأنيق قبل قليل. وسألني موسى، مستغرباً، عن سرّ معرفتي بممدوح. وعند ذاك فقط تذكَّرت أنَّ اسم ذلك الشاب ممدوح. فقلت لموسى بأنَّه سُجن معنا لبعض الوقت في سجن المحطَّة. فهزَّ رأسه وقال مفكِّراً: آ، آ، آ.


ثمَّ قال بأنَّ ممدوح وسعود يعملان في شركة أدوية أخرى منافسة. ونظر إليهما وقال لهما بصوت عالٍ بأنَّ مندوباً لشركة ثالثة جاء أمس وزار كلّ الأطباء والصيدليَّات في المدينة وقدَّم لكلّ هؤلاء خصميَّات مغرية على الأدوية التي تنتجها شركته.


فقال ممدوح بسرعة ملفتة: نستطيع أن نقدِّم خصميَّات أفضل.


وقال موسى، بصوت واطئ، موجِّهاً كلامه لي: يعلِّموننا في الشركة كيف نحبط معنويَّات مندوبي الشركات الأخرى.

قال كلمة "نحبط" بالإنجليزيَّة.


ثمَّ قال لهما: أحوال الدواء سيئة، في العقبة، هذا الشهر.
لكنَّ ممدوح قال بسرعة أيضاً، وبنبرة واثقة: ليس تماماً. فهذا أمر نسبي؛ حسب الشركة، وحسب اختلاف الظروف.


قلت له باسماً، وبصوت واطئ: أأحبطتهما؟!
قال باسماً هو الآخر: صعب. فشركتهما تعلِّمهما ذلك أيضاً.


وجاء النادل بالشاي في إبريق معدني، على صينيَّة، معدنيَّة كبيرة. وكان عليها أيضاً كوبان من الصيني على صحنين من نفس المادَّة وفي كلٍّ منهما ملعقة صغيرة، وكيسان صغيران من السكَّر، وآخران من الشاي الجاهز. ووضع الصينيَّة على الطاولة، وتناول الإبريق، وسكب الشاي في كأسي، ثمَّ في كأس موسى. وتناول موسى كيس السكَّر وفتحه من أحد جوانبه، ثمَّ سكب محتوياته في الفنجان وراح يحرِّك الملعقة في داخله. وفعلت مثله. ثمَّ شربتُ قليلاً من فنجاني.

وما لبث النادل أن عاد وهو يحمل صينيَّة أخرى، عليها صحن من البيض المقلي وصحن من الفول وصحن من الحمَّص وقطع خبز مثلَّثة صغيرة الحجم، ومحمَّصة جيِّداً. ووضع الصينيَّة أمامنا. وشرعنا نأكل فوراً.


وسألني سعود بصوتٍ عالٍ: أين تعمل؟

قلت: لم أعمل بعد.. ما زلت أبحث عن عمل.

فقال: أوف!

وقد اكتسى وجهه بملامح التعاطف.

ثمَّ سألني إذا كنت أذهب إلى رابطة الكتَّاب.

فقلت: من حينٍ لحين.

فقال بأنَّه لم يذهب إليها منذ مدَّة طويلة.

وقال ممدوح: متى خرجت؟

فهمت أنَّه يقصد متى خرجت من السجن، فقلت: عام 1983.

قال متصنِّعاً الدهشة: منذ ثلاث سنوات! لم أعلم.

قلت: كان ذلك بالموعد المحدَّد بالضبط؛ من دون زيادة أو نقصان.

قال: هل تزور الشباب؟


قلت: كنت أفعل ذلك كثيراً في الأشهر الأولى من خروجي. ثم بعد ذلك منعوني.

قال: منعوك؟! وهل قالوا لماذا؟

قلت: سألتهم وتبيَّن لي أنَّهم ظنّوا خطأً أنَّ الهدف من زياراتي المتكرِّرة هو نقل الرسائل للشباب. ولم يصدِّقوا حين أكَّدت لهم أنَّه لم تكن هناك رسائل ولا غيرها، وأنَّ الغرض من تلك الزيارات هو فقط  الرغبة بالالتقاء بالأصدقاء. لم أقل لهم بالطبع بأنَّني كنت غير قادر على التكيُّف مع الحياة في الخارج، وأنَّني كنت أظلّ معظم الوقت صامتاً إلى أن أنزل إلى الشباب، وهناك لا نكفّ عن الحديث أبداً.
قال سعود: ربَّما كان منعهم لك من زيارة الشباب مفيداً لك، لأنَّه أجبرك على التكيُّف مع الحياة في الخارج.


قلت: ربَّما.

وقال موسى مغيّراً مجرى الحديث: يجب أن نسبح اليوم. ما رأيك؟

قلت: ولكنَّنا لا نعرف السباحة.. لا أنا ولا أنت.

قال: ليس مهمّاً. نتفعفل في الماء ثمَّ نغطس قليلاً.

وقال ممدوح: سأنزل معكما.. هل تمانعان؟

قلت: بالتأكيد لا. ولكنَّنا لا نعرف السباحة.

قال: وأنا أيضاً لا أعرفها.

فقال موسى يا له من فريق!

وسألت سعود: وأنت أيضاً؛ ألا تريد أن تشاركنا؟

قال: سأجلس على الشاطئ وأنظر إليكم.

ثمَّ تذكَّرت أنِّي لم أحضر معي مايوهاً.

فقال موسى: ليست مشكلة. نشتري.

ثمَّ وجَّه كلامه لصديقينا: حسب علمكما؛ هل يوجد مكان في الفندق يبيع المايوهات؟
قال ممدوح: يوجد؛ لكنَّ أسعاره أعلى من أسعار السوق بكثير. اذهبا إلى وسط المدينة واشتريا من هناك.


وقال موسى: إذاً في الثالثة نلتقي على الشاطئ. أو. كي؟

قال ممدوح: أو. كي.

ودخل رجلان؛ أحدهما طويل، أشيب، يرتدي بذلة رماديَّة وربطة عنق زرقاء مقلَّمة، وقميصاً أزرق سماويّاً. التفت إلى الجهة الأخرى وقال: مرحبا.


ولم يكن ثمَّة أحد في تلك الجهة.

وانتهينا من فطورنا.

وقال موسى: لنذهب إلى وسط المدينة فنشتري لك مايوهاً. أمَّا أنا فمعي واحد لا بأس به.

ثمَّ نادى النادل، فاتحاً يده اليسرى، ومحرِّكاً يده اليمنى عليها بما يشبه الكتابة.

حنى هذا رأسه وذهب إلى الكاونتر. وشرع الموظَّف الموجود هناك بإعداد الفاتورة، ونحن نتابع النظر إليهما. وما لبث أن أعطاها للنادل، ووضعها هذا على صحن من الصيني وجاءنا بها. تناول موسى قلماً من جيب سترته الداخلي. ووضع توقيعه أسفل الورقة. ثمَّ نهضنا. ونظرنا إلى صديقينا اللذين كانا لا يزالان جالسين، وقلنا لهما: إلى اللقاء.


فقالا: إلى اللقاء.

وخرجنا من عند الاستعلامات. وكان هناك رجل وامرأة أوروبيَّان بشعر أسود واقفين معاً بانتظار أن ينجز لهما موظَّف الاستعلامات أمراً ما. قدَّرت أنَّهما ربَّما كانا إيطاليَّين أو إسبانيَّين. وكانت المرأة ترتدي تنورة سوداء طويلة؛ مكوَّنة من قطعة قماش مزرَّرة من الأعلى، وقد لُفَّ الجزء الخارجي منها على الجزء الداخلي، مشكِّلاً شقّاً طويلاً، بحيث بدت قريبة الشبه بالوزرة التي يلبسها اليمنيُّون أو الاسكتلنديُّون. وبدا لي أن ثمَّة في المرأة شيئاً ما غامضاً ومثيراً. أمَّا الرجل، فكان متوسِّط الطول، ممتلئ الجسم بعض الشيء. وكان يرتدي قميص تي شيرت أبيض وبنطال جينـز أزرق، وحذاء رياضيّاً خفيفاً. كانا منهمكين بالحديث إلى موظَّف الاستعلامات. وظللت أنظر إلى المرأة. وعندما كنّا نجتاز البوَّابة إلى الخارج التفتُّ إليها أيضاً. واكتشفت أنَّ موسى كان هو الآخر ينظر إليها.


وقال: ما رأيك؟ مزيج عربي أوروبي.

قلت: فيها شيء يشدّ الانتباه لكنَّني لا أعرف ما هو.

قال: أنا أفضِّل هذا النوع من النساء. وربَّما كانت الأنفة التي تبدو في ملامحها هي ما يشدّك.

ورحت أفكِّر فيما إذا كان رأيه صحيحاً. لكنَّني لم أقطع برأي في هذا الشأن. وعندما وصلنا السيَّارة تذكَّر موسى أنَّنا لم نسأل عن المايوهات في الفندق.

فقلت: ألم يقل ممدوح بأنَّها غالية في الفندق؟

قال: نجرِّب.

فعدنا. ودخلنا من باب الاستعلامات. ولكنَّنا لم نجد المرأة والرجل اللذين كانا هناك قبل قليل. ووجدنا مكاناً صغيراً لبيع التحف، والبطاقات التذكاريَّة التي تصوِّر أماكن أثريَّة محليَّة، والأزياء  الفلكلوريَّة المتنوِّعة والموشَّحة بالتطريز. ووقفنا عند الباب، وكان هنالك شاب في حوالي الخامسة والعشرين من عمره يجلس وراء طاولة صغيرة.. حينما رآنا، وقف.. فحيّيناه. ثمَّ سألناه عن المايوهات. فقال بأنَّه يوجد منها أنواع مختلفة، وبأنَّ أسعارها تختلف أيضاً. وقلت بأنَّنا نريد أن نرى النوع الأرخص.. فأخرج لنا مايوهاً أسود من النايلون، بجيب صغير من الخلف.

سألناه عن ثمنه. فقال بأنَّه ثلاثة دنانير. فقال موسى: أف!

وقلت: أف!

ثمَّ قال موسى: لسنا سائحين كما ترى.

وقال الشاب: أعرف. ولكن هذه هي أسعار الفندق.

عندئذٍ حيّيناه مودِّعين، وعدنا إلى السيَّارة. وفتح موسى بابها وصعد، ثمَّ فتح لي من الداخل. فصعدت. وانطلقنا من الموقف نحو البوَّابة الخارجيَّة للفندق. ورأينا في ساحة فندق الأكوا مارينا المجاور باصاً صغيراً رُبطت به مقطورة نوم طويلة.

وواصلنا سيرنا ثمَّ انحرفنا يميناً، وسرنا في الشارع العريض الذي تقسمه بالطول جزيرة مزروعة بالنخيل. وعلى الجهتين أيضاً كان النخيل ينتشر بكثافة. ومضينا باتِّجاه وسط المدينة، ثمَّ ملنا يساراً، وبعد مائتي متر، ملنا يميناً. رأينا دكان تحف وملابس، فتوقَّفنا أمامه. ووجدناه مليئاً بالزبائن. كانوا جميعاً، كما ظهر من ملامحهم، مواطنين محلّيين. وسألنا البائع المنهمك بتلبية طلبات الزبائن عمَّا إذا كان لديه مايوهات. فلم يجب ولم ينتبه لنا في المرَّة الأولى. وللمرَّة الثالثة سألناه، فأجابنا أخيراً بأنَّه ليس لديه شيء منها. وعدنا إلى السيَّارة، وانطلقنا في نفس الاتِّجاه. وبعد مائة متر، وجدنا دكاناً آخر. أوقفنا السيَّارة ونزلنا، واتَّجهنا إليه.

استقبلنا أمامه فتى في الثامنة عشرة. سألناه. فأشار إلى ما فوق رؤوسنا. نظرنا إلى الأعلى. فرأينا مجموعة من المايوهات؛ بعضها مخطَّط، وبعضها الآخر مورَّد.

 ونظر إلينا الفتى مستفهماً ما الذي نريده منها. فأشرت إلى واحد مخطَّط بخطوط رفيعة بيضاء وزرقاء. وعندئذٍ أمسك قضيباً معدنيّاً طويلاً له عكفة في آخره، مدَّه إلى الأعلى، وشبك المايوه به، وأنزله، ثمَّ تناوله وناولني إيَّاه. نظرت إليه. فوجدته من النايلون، وله بطانة من الشاش الأبيض داخله، كما أنَّ له جيب خلفي صغير.

سألته عن الثمن، فقال بأنَّه دينار. فتناولت ديناراً من جيبي وأعطيته إيَّاه. وأخذ الدينار والمايوه، ووضع المايوه في كيس نايلون صغير ثمَّ أعاده لي. أخذته. وعدنا إلى السيَّارة.


وقال موسى: آ. كيف هو؟

قلت: لا بأس به، والمهمّ أنَّه يفي بالغرض.

قال: أظنُّه أفضل من المايوه الذي معي.

قلت: أحقّاً؟!

قال: نعم. وكنت قد اشتريته من هنا قبل عام.

ثمَّ صعدنا إلى السيَّارة وأكملنا سيرنا في الاتِّجاه نفسه، ثمَّ ملنا إلى اليمين إلى أن وصلنا إلى الشارع العريض المحاذي لفنادق ومقاهي الشاطئ. ثمَّ انطلقنا شمالاً، ثمَّ غرباً، ثمَّ انحرفنا إلى اليسار، وقطعنا الشارع باتِّجاه الجانب الآخر منه. فإذا بنا أمام مدخل الفندق. دخلنا. وكان باص سياحي كبير قد توقَّف أمامه. وبدا أنَّه يحمل فريقاً سياحيّاً أوروبيّاً. رأيناهم ينـزلون، ويتَّجهون إلى الاستعلامات. وتوقَّفنا في الباحة. ونزلتُ من السيَّارة. بينما ظلّ موسى وراء المقود. وقال: أريد أن أعمل بعض الوقت، وسأعود بعد الظهر؛ لعلَّنا نسبح قليلاً.


فقلت: إلى اللقاء.

ورفعت يدي محيّياً، ثمَّ مضيت إلى الشاليه. وتمدَّدت على "بُرشي". وعندما جاء المأمور، وأغلق باب الزنزانة، فتحنا التلفزيون، أنا وعماد الملحم، ورحنا نتفرَّج على برنامج جديد وظريف للأطفال، اسمه "زينة ونحّول".   
  

التعليق