هوس الشراء مرض يقضي على مدخراتك المادية

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • هوس الشراء مرض يقضي على مدخراتك المادية

 


   عمان - كم مرة وجدت نفسك في البيت تقف أمام كومة من أغراض جلبتها من السوق، لتجدها غير ذات فائدة. النتيجة المؤسفة هنا ان مبلغا كبيرا من المال أنفق دون داع وتسبب في تضييع ميزانية البيت. وعلى رغم انك تندم على ذلك وتقول "لن أعيدها مرة أخرى"، الا ان الحالة تتكرر في كل مرة تذهب فيها الى السوق. أصبحت المسألة أشبه بالادمان وقد تمكن هوس الشراء منك.


   تعترف ايمان خليل 24 سنة أنها وصديقاتها اعتدن التسوق كهواية روتينية يمارسنها حتى لو لم يكن بحوزتهن نقود تكفي فنجان قهوة. ومع ذلك فانها قد تستدين لتشتري ما أعجبها في السوق. أحيانا يرجون صاحب المحل تسجيل المبلغ على الحساب.


    أما نورة فخري (26 سنة) فهي مولعة بالشراء، ما أوصلها إلى حالة اشبه بالهستيرية كلما مرت بجانب مول أو سوق: تجد نفسها توقف سيارتها وتنزل الى التسوق. وعلى رغم ان راتبها كبير، الا انها تستدين من عائلتها أو خطيبها كل نهاية شهر, لانها تنفق جلّ راتبها دون شعور على اشياء لا تستخدمها كلها فيما بعد.


    هذه الحالة التي يعاني منها الكثيرون تعني انهم وقعوا تحت طائلة "هوس الشراء". وهذا الهوس يعرفه الطبيب النفسي د. محمد حباشنة بانه "اضطراب مرتبط بالقدرة على السيطرة والاندفاع، ويقع ضمن طيف الوسواس القهري، الا انه يختلف عنه بوجود المتعة لدى الشخص عند قيامه بالشراء ويحمل معنى التكرار والالزامية للشراء".


   ويعتقد حباشنة ان هنالك أسبابا تربوية وبيولوجية تقف وراء الاصابة بهذا المرض.


ويفسر مجموعة من العلماء والمختصين سبب الاصابة بهذا الهوس. فقد وضع فريق العلماء من جامعة أياوا يده على منطقة معينة في الجزء الأمامي من المخ يبدو أنها مسؤولة عن التحكم في هذا السلوك.


    وأشاروا إلى ان هناك علاقة بين الولع المرضي بتخزين واقتناء الأشياء وبين الوسواس القهري. غير أنه لا يعرف ما يتسبب في ذلك، وما إذا كانت الحالة فريدة من نوعها.


وتضيف الدراسة المتعلقة بأبحاث المخ كماً كبيراً من الأدلة التي تشير بدورها إلى وجود آلية خاصة يعزى إليها الاقتناء المرضي.


    ولفهم سبب سلوك الاقتناء المرضي القهري بشكل أفضل، درس د. ستيفن آندرسون وفريقه ثلاثة عشر شخصا تطورت لديهم حالة اقتناء قهرية بعد إصابة بالدماغ.


ووجد الباحثون أن بعض المرضي ملأوا بيوتهم بكميات هائلة من البريد الذي لا قيمة له أو من الأجهزة المنزلية المعطلة على سبيل المثال.


    وقام الباحثون بإجراء مسح لمخ المرضى وقارنوا بين نتيجة المسح لدى المرضى ونتائج مسح المخ لـ 73 من المصابين بإصابات دماغية ممن لم يظهر عليهم سلوك الاقتناء القهري.


وقد ظهر اختلاف واضح بين مسح المخ لدى المجموعتين، وقال د. آندرسون: "وجدنا أن حدوث إصابة في جزء من الفصين الجبهيين للقشرة المخية، خاصة في الفص الأيمن، كان قاسما مشتركا بين الأفراد الذين ظهر عليهم هذا السلوك غير الطبيعي".


     وأضاف قائلا: "المرضى الذين يعانون من الوسواس القهري واضطرابات أخرى مثل الشيزوفرنيا (الفصام) ومرض توريت وبعض أنواع العته يمكن أن يصحب مرضهم سلوك اقتنائي مرضي مشابه غير أنه ليس لدينا ما يرشدنا إلى أي منطقة في المخ تقع فيها المشكلة".


المرأة أكثر ولعا

   ويبدو ان الاصابة بهوس الشراء ينصب بشكل أكبر على المرأة, وهذا ما أوضحته احدى الدراسات التي قالت: ان المرأة تتعرض لاغراء الشراء والتسوق اكثر من الرجل، لأنها تجد في ذلك فرصة للتنفيس عن الضغوط والمشاكل التي تنجم من خلال علاقتها بشريكها المشغول عنها دائما بعمله في النهار واصدقائه والتلفزيون والكومبيوتر في الليل. فتجد في السوق والتسوق رفيقا تفرغ فيه ما يصيبها من قلق وتوتر وتعب نفسي.


   كما بينت دراسة أجرتها كلية الاعلام في القاهرة تؤكد حقيقة الدراسة السابقة, المتعلقة في أن المرأة مغرمة بالشراء اكثر من الرجل. وبحسب هذه الدراسة فإن 80 في المئة من الاعلانات التلفزيونية موجهة للمرأة لانها صاحبة قرار الشراء في الاسرة، ولانها على عكس الرجل، تنقاد بسرعة امام بريق الاعلان. والفرق بين الرجل والمرأة في ذلك ان الرجل بعد الزواج يشعر بأنه ليس مضطرا الى الاسراف، بل الى الادخار للاسرة وللمستقبل، بينما تشعر المرأة ان من اولوياتها الاستمرار في الانفاق على نفسها ومظهرها لتحافظ على صورتها الجميلة في عيني زوجها، وهذه فكرة تتوارثها الفتاة وتتربى عليها. ومن هنا ترى ان التسوق وسيلتها الوحيدة، للاحتفاظ بقلب رجلها, اضافة الى ان شعور المرأة بالوحدة والفراغ يعزز هذه الرغبة لديها.


    ولأن هذا الهوس مرده مرض نفسي فعلا فقد تم إنتاج عقاقير للمصابين به.. حيث أجرى باحثون إنجليز فحوصات على 24 شخصاً يعانون من هوس الشراء كان من بينهم شخص اشترى أكثر من 2000 مفك فيما اشترى آخر 55 كاميرا.


    وقد اكتشف الباحثون أن تناول عقار يدعى سيتالوبرام قد أدى إلى تحسن حالة ثلثي المرضى، فيما شهدت حالة الثلث الباقي تحسناً ملحوظاً. وقد كان جميع مرضى البحث الذين أجريت عليهم التجارب يعانون من هوس الشراء منذ أكثر من عشر سنوات وهو مرض كان يتسبب لهم بديون ضخمة تصل إلى آلاف الدولارات .


    وكما ان أي مرض نفسي يحتاج الى العلاج, فإن المصاب بهوس الشراء له علاجه أيضا كما يوضح د. محمد, الذي يقول: "بداية العلاج هي بالتوقف عن هذا السلوك، إضافة إلى العلاج السلوكي والنفسي واللذين يتمان على أيدي اخصائي نفسي".


    وهناك بعض الأمور التي يجب على الشخص ان يضعها في اعتباره قبل ان يفكر في عملية التسوق. مثلا، ينبغي أن نحدد الأشياء المرغوب في شرائها قبل الذهاب إلى السوق ونسجلها في ورقة صغيرة بدءا بالضروريات ثم الكماليات، بحيث لا نترك لأنفسنا العنان في شراء كل ما نريد ونحتاج ونشتهي، إذ إن القاعدة تقول: ليس كل ما يُشتهى يُشترى.


كما يفضل تخصيص مبلغ معين للتسوق يتناسب مع ميزانية الأسرة والكميات المطلوب شراؤها مع تحديد وقت مناسب للتسوق، مع الحرص على شراء المطلوب دفعة واحدة دون الاضطرار للذهاب إلى السوق مرة تلو أخرى.


   طبعا ينبغي تركيز الاهتمام على السلع ذات النوعية الجيدة وليست غالية الثمن، فليس صحيحاً على الإطلاق ما يقال أن الغالي ثمنه فيه، مع محاولة اختيار الأسواق التي يكون فيها تخفيضات حقيقية، على انه ينبغي الحذر من شراء ما فوق الحاجة ولو كان الثمن رخيصاً.


   ويجب ألا نلتفت كثيراً إلى الإعلانات المغرية من أجل حصر الاهتمام وتركيز الوقت التسوقي فيما هو مدون في الورقة الصغيرة، حذراً من أن نجعل جيوبنا فريسة لأصحاب الإعلانات الجذابة.


    كذلك، فإنه ينبغي ملاحظة الأسعار، فكلما كانت مرتفعة أمكن استبدال تلك المنتجات عالية القيمة بأخرى ولو كانت أقل جودة مادام انه يفي بالغرض. وعلينا محاولة ألا نتعامل مع السوق على انه متنزه أو ترفيه بل مكان ذو خاصية معينة.


    أخيراً، لو لفت نظرك شيء ما وأردت أن تشتريه، لا تقم بشرائه في نفس اللحظة، بدلا من ذلك ابتعد قليلا, ولو خفت أن يباع فاستأذن صاحب المحل ليقوم بحجزه لك لمدة يوم واحد، بعد مرور اليوم في الغالب ستشعر أنك لست في حاجة إليه.

التعليق