المسعودي : الأمة العربية بحاجة إلى مسرح يشبهها

تم نشره في الأحد 2 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • المسعودي : الأمة العربية بحاجة إلى مسرح يشبهها

يرى   أستاذ المسرح  في المعهد العالي للفنون الجميلة بجامعة الوسط  سوسا في تونس عبد الحليم المسعودي أن المسرح العربي يستمد شرعيته من الحياة الإجتماعية والبيئة المحيطة،  لافتا الى ان الأمة العربية بحاجة إلى مسرح يشبهها في المشاكل والقيم والأحلام، ويحاكي همومها الراهنة.معتبرا أن أزمة الجمهور في الوطن العربي  دلالة على عدم تمكن المسرحيين العرب من مخاطبة همومه وقضاياه المختلفة.

"الغد" التقت المسعودي وكان هذا الحوار. 


 هل ترى بأن المسرح العربي يخدم قضايا الامة العربية ويصب في صلب هموم المواطن العربي؟

أعتقد أن المسرح العربي ما يزال بعيدا عن الهموم الإجتماعية للمواطن العربي، وذلك من خلال أطروحاته الفكرية والجمالية والتي تتمحور؛ إما في الحديث عن الماضي من خلال محاورة التراث العربي او الإسقاطات المسرحية التي تدعي الحديث في الشأن السياسي، فالمسارح العربية لم يوفق منجزوها في خلق تلك العلاقة العضوية مع المتفرج عندما يكون الشأن المسرحي مسالة تخص تفاصيل الحياة اليومية وتخطي همومه المتعلقة بمسألة المواطنة وحرية التعبير والديمقراطية.

أما المسرح سواء كان في تاريخه الإنساني أو في مجمل الثقافات العالمية، إنما يستمد شرعيته من الحياة الإجتماعية التي يسميها البعض البيئة، فنحن بأشد الحاجة إلى أن ننجز مسرحا عربيا يشبهنا، يشبه قيمنا ومشاكلنا وأحلامنا ومخيالنا اليومي، أي في الراهن وليس ذلك المسرح الذي يتكىء على الإسقاطات وعلى الإستعارة والبلاغة والخطابة.

إن عرقوب إيخيل -المسرح العربي- كامن في قدرة هذا المسرح على مساءلة الهموم الراهنة، دون أن يكون مطالبا في ذات الوقت بتقديم إجابات جاهزة، فهو فعل تعبيري لكنه يظل في جوهره فعل حراك إجتماعي.

ولا غرابة أن أزمة الجمهور في المسارح العربية، وهو جمهور منهوب من طرف وسائل أخرى كالفضائيات، يفسر عدم تمكن المسرحي في العالم العربي على مخاطبة هذا الجمهور، تلك هي المعادلة واعتقد شخصيا أن حل هذه الأزمة، يتحمل فيه المسرحيون العرب المسؤولية الكبرى باعتبار أن الوعي الذي عادة ما تبنى عليه المشاريع المسرحية، يظل مجرد وعي مزيف.

* هنالك تجارب مسرحية إبداعية لجيل المسرحيين الرواد،  كيف يمكن الافادة من مسألة المجايلة بين المسرحيين؟

مسألة المجايلة تختلف من تجربة مسرحية عربية إلى تجربة أخرى، والطاغي في المشهد المسرحي العربي، الثغرات  التي تفصل جيلا سابقا عن جيل لا حق، وليست هذه الفراغات في الحقيقة إلا عدم إدراك جملة المكتسبات التي حققها المسرحيون الرواد وهو عدم إدراك مشترك بين الجيل السابق والجيل اللاحق، و يعود هذا حسب رأيي إلى الذهنية النفسية والفكرية التي عليها بعض المسرحيين القدامى، ذهنية تقليدية تؤمن بالأبوة ولا تعير إهتماما للصيرورة التاريخية، التي تؤسس لسياق مسرحي، وهو مالانجده في المسارح الغربية مثلا، فتجاربهم هناك تستمر من خلال فاعلية التراكم الذي لا يسمح بالتفريق بين الأجيال، والأجيال في نظرهم لا تقاس بالعمرية، بل تقاس بالإضافة المعرفية والجمالية النوعية، كما أن الجيل الصاعد في المسرح العربي لا يكاد يعترف بمكتسبات الجيل اللاحق لأسباب أهمها  أن مسار التجارب المسرحية العربية،  متقطع لم يتحقق ذلك التراكم الكمي وهو ما يهدد دائما في نوعيتها، كما أن النقد المسرحي ساهم بشكل سلبي في إستقراء المسار التاريخي لتجارب المسرح العربي، فيتم مثلا وضع تجربة الطيب الصديقي في المغرب في خانة ضيقة، دون الإنتباه إلى جدلية التجربة والوقوف على حدودها وآفاقها، والحال صحيح مثلا بالنسبة لتجربة علي بن عياد في تونس، أو كاتب ياسين في الجزائر، أو صقر الرشود في الكويت أو سعدالله ونوس في سوريا، وغيرها من التجارب، النقد المسرحي العربي مختص وبشكل مثير للضحك في وضع جملة التجارب السابقة تحت عناوين ويافطات فضفاضة ومطمئنة في نفس الوقت.

* هل هنالك أزمة نقد مسرحي في الوطن العربي؟

إن ما نسميه بأزمة النقد العربي جزء لا يتجزأ من طبيعة المسرح العربي نفسه، فكيف يمكن موضوعيا أن يكون النقد المسرحي العربي عالي المستوى تطوريا إقتراحيا وفعالا وموضوعه الذي يستند عليه، وهو التجربة المسرحية العربية ضعيفة وغير واضحة، إن هذا من ذاك، لكن هذا لا يعني أن النقد المسرحي العربي الفعال غير موجود، هنالك مجهودات نقدية مسرحية نوعية في كامل المسارح العربية، لكنها للأسف تظل أصواتا خافتة باعتبار أنها اصوات تتعرض للمحاصرة من المسرحيين أنفسهم خاصة، ذلك أن العلاقة بين الناقد المسرحي  والمبدع نفسه ما تزال علاقة مرضية، باعتبار أن ثقافتنا العربية المعاصرة لم تتصالح مع النقد، وتطمئن للتهليل والتكبير والنقد المطمئن الذي يقوم به أشباه المثقفين الذين لا علاقة لهم بالفعل المسرحي الإبداعي، ومهما يكن من أمر، أعتقد أن النقد المسرحي المطالب بالموضوعية عليه أن يكون مجهودا ذاتيا، يتأسس كفعل نضالي وكعقيدة خاصة تستند شرعيتها اساسا إلى ضرورة الدفاع عن مشروع معرفي وثقافي مغاير.

*  كيف يؤسس المسرح العربي للحوار مع الآخر مع حفاظه على خصوصيته وهويته العربية؟

الحوار مع الآخر من الشعارات القديمة الجديدة والتي يراد بها مالا يراد بها فعلا، وهي في الحقيقة تدخل ضمن مشروع إيدولوجي يخلو من البراءة، ولكن هل بإمكان مسرح عربي لا يخاطب مواطنيه القدرة على مخاطبة الآخر، ومن هو هذا الآخر، هل هذا الآخر في حاجة فعلا إلى حوار ثقافي ومعرفي؟، هل هذا الآخر يتعرف بالغيرية؟، لذلك لا بد من التريث في جملة هذه الشعارات التي بدأت تطرق اسماعنا في زمن الفضاء المفتوح، فضاء العولمة الكاسحة.

* بحكم متابعتك لمهرجان المسرح الاردني، كيف ترى هذه التجربة وهل ستؤسس لمسرح محلي وعربي متميز في المستقبل القريب؟

ثمة تطور واضح بحكم التراكم الذي حققه مهرجان المسرح الاردني طوال أكثر من عشرية، وهذا التطور لمسناه من خلال تلك الآلية التي سطرتها سياسة المهرجانات المسرحية في الأردن، فثمة مثلا مخرجون بدأوا مغامرتهم المسرحية في مهرجان عمون لمسرح الشباب وألفيناهم مشاركين محترفين في المهرجان المحترف يزاحمون تجارب مسرحية عربية آخرى، وفكرة الترقي هذه، فكرة حسنة لأنها لا تسمح برصد هذه التجارب، كما أن مهرجان المسرح الاردني اصبح يتمتع بسمعة في خارطة المهرجانات المسرحية العربية المعروفة بالتزاحم الشديد خاصة بين مهرجان ايام قرطاج المسرحية في تونس، ومهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في مصر، واصبح له مكانة خاصة كما أنه أصبح يمثل عتبة أو بوابة للمبدعين المسرحيين الأردنيين والعرب، لإستكمال مسيرتهم التعريفية، أي التعريف بأعمالهم، لكن المشكلة الأساسية فيه تكمن في الآلية التقليدية التي يتم بها إختيار العروض، فقد شاهدنا أحيانا أن هنالك عروضا عربية لا تستحق أن تمثل مسارح بلدانها، وأرى شخصيا ضرورة أن يؤسس هذا المهرجان لنفسه آلية جديدة لا ختيار العروض الجيدة، خاصة العربية، لأنه من حق الجمهور المسرحي في الاردن أن يشاهد أعمالا عالية المستوى، وهذا لا يتحقق إلا بتشكيل لجنة تنتقي العروض وتكون حاضرة في أهم المحافل المسرحية العربية، إلى جانب ضرورة تطلع مهرجان المسرح الاردني إلى تجاربه السابقة ومراجعتها لمعرفة مواطن الضعف لتجنبها وأماكن النجاح لتدعيمها وتنميتها.    

التعليق