" رأس السنة " .. ليلة ساخنة سينمائيا

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • " رأس السنة " .. ليلة ساخنة سينمائيا

    لرأس السنة خصوصية قد تمنيناها دائما، أن تكون حداً زمنيا فاصلاً ما بين ما نحن عليه وما نتمنى أن نكون، لكنها في كل مرة تأتينا من غير ميعاد على غفلة منا فلا تسنح لنا الفرصة لا بتحسين مواقعنا ولا في الاقدام خطوة واحدة إلى الأمام، فلا نملك أن نقلب صفحة ونفتح صفحة جديدة، حتى لو كان ذلك آخر ما نتمناه، ذلك أننا لا نستطيع أن نقلب انفسنا " بكبسة زر " وبمجرد أن تدق الساعة الثانية عشرة تماماً مساء تلك الليلة، لذا غالبا ما تتبخر أمانينا مع انقضاء سهرة رأس السنة، وما أن يأتي صباح اليوم الذي يلي من العام الجديد، حتى تجدنا قد واصلنا الامعان بتجريح انفسنا، وواصلنا اقتراف ما يسهم بالمزيد من انحطاطنا وانكسارنا.

     هذا على صعيد الحياة أما في السينما فالأمر يختلف بالتأكيد إذ يستطيع المخرج المحنك أن يضع نقطة ويبدأ فقرة جديدة، بل وأن يطوي صفحة ويفتح صفحة، ذلك أن السينما، بمعنى من المعاني هي فن الايجاز وهي فن قول ما نحسه وقد نعجز عن قوله. وقد التقط ذلك المخرج المبدع الراحل عاطف الطيب، فأوجز القول في فيلمه " ليلة ساخنة " التي تدور احداثها ليلة رأس السنة، فقال ما يريد أن يقول خلال ساعتين، وهما زمن الفيلم. قال : إن أوراق الشجر ذبلت، والسماء تلونت فاقدة زرقتها، والبحر اجثتت أمواجه، بعد أن غلبت الانتهازية على الأصالة، وغابت القيمة في معمعان كل ما هو رخيص، وتلاشى الحب في ظل زيف التواصل القائم.

     اعتمد المخرج في فيلمه على تغليب التفاصيل والإيحاءات والتداعيات على تسلسل وتسارع الأحداث، إذ لم يعتمد على الحدث بشكل رئيسي بقدر ما اعتمد على التفاصيل لإيصال فكرة وليس لتتبع مجريات حدث، إذ نعيش بالفيلم مجـريات أحداث وقعت ليلة رأس السنـة، فهـذا سيـد، سـائـق التكسي ( نور الشريف ) نراه يطارد الوقت على أمل أن يتمكن مـن جمـع تكاليف العملية الجراحية للمرأة التي ترقد في المستشفى ويعتبرها بمثابة أمـه، وأثنـاء ذلك يلتقي بـ حورية ( لبلبلة ) تقوم بمطاردة أشخاص استدرجوها للترفيه عنهم في سهرة رأس السنة، ثم قام أحدهم بسرقة المال الذي حصلت عليه وطردها. ثم يلتقي سيد وحورية أثناء ركوبهما التكسي برجل مريب ( سيد زيان ) يكتشفان بعد أن يقلانه معهما أنه مطارد أيضا من قبل أشخاص مجهولين، وتحدث المواجهة في الطريق بين الرجل المطارد ومطارديه، وهم من المتاجرين بالعمال المهاجرين، تنتهي بقتل الرجل المطارد تاركا في التكسي حقيبة فيها مليون جنيه. وبعد جدل مع حورية يقرر سيد تسليم حقيبة المال على أمل أن يحصلا بذلك على مكافأة من الشرطة، غير أن الشرطة تعتقل سيد وتحوله إلى متهم بجريمة القتل، فيضطر سيد أن يدوس على مبادئه وأن ينتزع شعلة الطيبة من داخله عندما يدعو حورية بالإيحاء لأن تتكتم على حقيبة المال أثناء خروجه من مركز الأمن بمعية رجال الشرطة، فتحتضن حورية حقيبة المال ودموع المرارة تنهمر من عينيها بحسرة ولوعة.

      هذه هي الحكاية الرئيسية في الفيلم، غير أن التفاصيل كثيرة ومفتوحة على التأويل، فسيد الذي اضطر أن يتكتم على حقيبة المال، كان قبل ذلك يسعى إلى جمع تكاليف عملية جراحية لامرأة لا تمت له بصلة مباشرة، وبعد ذلك هو الذي أقلّ معه فتاة ليل وشاركها مطاردة من سلبها مالها، وكأن الفيلم يريد أن يقول أن الأسود يأكل الأبيض، والشر يطغى على الخير في ظل هذه الحمّى التي تسري في شرايين المجتمع فتجد الكل يلهث ويحاول أن ينتزع لقمة غيره على حساب الكثير من القيم والمبادئ.

      وما يؤكد فكرتنا أن حورية التي من المفروض أن تكون بائعة هوى تحمل في داخلها طيبة يمكن أن توزعها على نساء الأرض قاطبة، وما دمعتها الساخنة التي انهمرت من عينيها أثناء احتضانها للحقيبة إلا رثاء للحال الذي وصلا إليه، واضطرارها لأن تتكتم على حقيبة المال.

     وقد كان الفيلم قد قدم إشارات توحي بالضياع المقبل، فسيد له ابن معاق، لا يجيد النطق، يفتقد من يرعاه، حيث يقضي جزءاً من ليلة رأس السنة في المستشفى يتنقل بين الأسرّة، ولا ندري السبب في إعاقته، بخاصة وأن الإعاقة ليست جزءاً من سياق الفيلم، وعلى النحو الذي يوحي وكأن ثمة مغزى من وراء الإعاقة، وكأنها تتعلق بمتاهة الجيل المقبل. وهذا ما يتعزز عند النظر إلى شقيقة حورية، وهي فتاة في خضم المراهقة، إذ نجد أن المشهد الوحيد الذي تنفرد به هذه الفتاة يصورها وهي ترقص فوق الطاولة على أنغام الموسيقى.

     نقطة هامة أخرى أبرزها "الطيب" في فيلمه حيث أوحى أنه إذا كان الخير يأتي من داخل الناس، فإن الشر مفروض عليهم تمليه قسوة الحياة، وضياع الفرد، وعدم تصالحه مع ذاته، وهذا ما تم تجسيده من خلال تقديم كافة شخصيات الفيلم باعتبارهم ضحايا وليسوا أشراراً بمعنى الكلمة. فالرجل المطارد (سيد زيان) نجده وقد مات برجولة، لقد واجه مطارديه بشجاعة، ومثل هذه الشجاعة هي من خصال الشهامة والطيبة ولا علاقة لها بالدنائة والشر. أما الشخص الذي سرق حورية فنجده في وقت متأخر من تلك الليلة في أحد الملاهي يقوم ببعثرة المال الذي سرقه على جسد الراقصة وهو في حالة سكر شديد. أما الباشا الذي جاءت حورية أصلاً لخدمته فنجده قد أنهى ليلته بالنوم على كرسيه في الملهى. كل هذه المعطيات تدل على أن تلك الشخصيات ضحايا، تماماً كما أن سيد وحورية ضحايا حيث اضطرا أن يتكتما على حقيبة المال لكون الشرطة لم تتفهم نزاهتهما وتوجست بهما الريبة سلفاً.

" رأس السنة " سينمائيا ليلة ساخنة بالتأكيد، هكذا رآها المخرج المبدع الراحل عاطف الطيب، ونظرة المبدع عادة لا تخيب !

التعليق