برد الأكباد عند فقد الأولاد..كتاب يبحث في فضل الصبر على الابتلاء

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2004. 10:00 صباحاً

 ما دام المؤمن مؤمناً بقضاء الله وقدره فهو بلا شك راضٍ بالتوازن الإلهي الذي أوجده خالق السموات والأرض ، إذ وازن الإسلام الحياة الدنيا مع الآخرة ، وجعل الحياة الدنيا اختباراً للمؤمن ، إن اجتازه ، خرج إلى الحياة الآخرة ينعم فيها بجنة الخلد ، وجعل الحياة الدنيا معبراً إلى الآخرة ، تملؤها الأشواك الدامية ، فعليه أن يطيق الوطء عليها ، وبذلك بشّره إن صبر وتحمل بالبشرى ، التي ما بعدها ولا قبلها بشرى.


   من كل هذا جاء هذا الكتاب "برد الأكباد عند فقد الأولاد" ، لأن من أعظم المصائب أن يفقد الإنسان فلذة كبده ، ابنه ، حامل اسمه ، مخلّد ذكره.


وقد أورد فيه مؤلفه الآيات والأحاديث التي تحث الإنسان على الصبر ، وأورد فيه قصص السلف ومواقفهم عندما تجتاحهم رياح المصائب ، فتفقدهم أبناءهم ، ثم بيّن فيه فضيلة الصبر على قضاء الله ، مبيناً ما ينتظرهم من ثواب عظيم عند الله.
والمؤلف ابن ناصر الدين الدمشقي هو محمد بن عبدالله (أبي بكر) بن محمد بن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي ، شمس الدين ، الشهير بابن ناصر الدين.حافظ للحديث ، مؤرخ ، أصله من حماة ، ولد في دمشق سنة 777هـ وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سنة 837 ، وقتل شهيداً في إحدى قرى دمشق ، سنة 842هـ.
    صنف في مختلف العلوم في الحديث ، وفي التاريخ ، وفي النحو ، وله مختصرات لكتب السابقين ، وشروح لبعضها.


     إن الصبر أهم القضايا التي يمكن للمسلم أن يلجأ إليها ليخفف عن نفسه وأهله ، ومن هنا يذكر المؤلف (بالآيات والأحاديث الواردة في فضل الصبر) ومنها :


وقال تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ). (والله يحب الصابرين).


 (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب).  قيل : يعطون عطاء كثيراً ، أوسع من أن يحسب أو يحاط به.  والآيات الشريفات في ذكر الصبر كثيرات.
اما الأحاديث الواردة في فضل الصبر  وثوابه ، والأمر به لمن آلمه نزول مصابه ، فكثيرة جداً منها :


حديث أبي مالك الأشعري ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن ، أو تملأ ، ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها".


بالإضافة إلى ذلك فقد أكد الإسلام ثواب المصاب وأجره عند الله ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري وغيره ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من يُرد الله به خيراً يُصب به".


أما ما يخص (الصبر على الابتلاء بفقد الأولاد) فإن ثوابه أعظم وأجره أجلّ ، قال خلاّد بن منصور الواسطي : "حدثنا داود بن أبي هند قال : "رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، وكأن الناس يُدعون إلى الحساب" قال : "فقربت إلى الميزان ، فوضعت حسناتي في كفة ، وسيئاتي في كفة ، فرجحت السيئات على الحسنات ، فبينا أنا كذلك مغموم ، إذ أتيت بشيء كالمنديل ، أو كالخرقة البيضاء ، فوضعت مع حسناتي ، يعني فرجحت ، فقيل له : تدري ما هذا ؟ قلت : لا ، قيل : "سقط كان لك" ، قلت : "فإنه قد ماتت لي صبية ، ابنة لي" ، فقيل : "تيك ليست لك ، لأنك كنت تتمنى موتها".  داود بن أبي هند هذا رأى أنس بن مالك ، وكان أحد أعلام الأمة ، صائم الدهر قانتاً لله ، توفي سنة أربعين ومائة.


    حتى السقط (الجنين الميت) فإن الأبوين حين يحتسبانه عند الله فإنه يكون سبباً لدخولهما الجنة.


وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : "والذي نفسي بيده إنّ السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة ، إذا احتسبته"
وحديث معاذ  رضي الله عنه  قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد ، إلا أدخل الله والديه الجنة بفضل رحمته إياهم" ، قالوا : "واثنين يا رسول الله؟" قال : "واثنين" ، قالوا : "وواحد يا رسول الله؟" قال : "إن السقط ليجرّ أمه بسرره إلى الجنة".


وعن أم سلمة ايضاً ، رضي الله عنها ، قالت : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم عندك أحتسب مصيبتي ، فأجرني فيها ، وأبدلني خيراً منها".  أخرجه أبو داود والنسائي في "عمل اليوم والليلة".


وأخرج ابن ماجة ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها رضي الله عنهما ، قالت : "قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعاً ، وإن تقادم عهدها ، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب".


    وعلى هذا فيجب على المسلم حسن التعزي عما فُقد له من ولد ، ومن أدبيات ذلك ما يلي:


قيل لأعرابية مات ابنها فصبرت : "ما أحسن عزاءك: فقالت : "إن فقدي إياه أمنني المصيبة بعده".  ثم أنشأت تقول :


ومـن شـاء بعـدك فليمـت  فعليـك كـنـت أحـــاذر


وبما أن المؤمن أمره كله خير (إن أصابه خير شكر وإن أصابه سوء صبر)  فقد أورد المؤلف من فوائد الابتلاء عدداً وفيراً.


فمن فوائد الابتلاء : النظر إلى قهر الربوبية ، والرجوع إلى ذل العبودية ، فإنه ليس لأحد مفر عن أمر الله وقضائه ، ولا محيد له عن حكمه النافذ وابتلائه ، إنا لله ملكه وعبيده، يتصرف فينا كما يشاء وما يريده ، وإنا إليه راجعون في جميع أمورنا ، وإليه المصير ، يجمعنا لنشوره.


ومنها حصول الإخلاص في الدعاء ، وصدق الإنابة إلى الله ، والالتجاء وشدة التضرع لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (وإن يمسسك الله بضرِّ فلا كاشف له إلا هو).


قال بعض السلف : "سنة الله استدعاء عباده لعبادته ، بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ، ليرجعوا إليه سبحانه بنعمته ، فإذا لم يفعلوا ابتلاهم بالبأساء والضراء ، لعلهم إليه يرجعون".


ومن فوائد الابتلاء : تمحيص الذنوب والسيئات ، وبلوغ الدرجات العليا في الجنات ، وأعلى من ذلك كله ، حصول رضى الله العظيم ، الذي هو أفضل من الجنة ونعيمها المقيم.


ومنها : معرفة قدر العافية لمن غفل عن إحصاء ذلك وعدّه ، لأن الشيء لا يعرف إلا بضدّه ، فيحصل بذلك الشكر الموجب للمزيد من النعم ، لأن ما وسع الله بالعافية وأنعم ، أكثر وأعظم ، مما ابتلى وأسقم.


هذا كله يعني أن (النوح) أمر مرفوض ، وصح عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه : "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أربع في أمتي لا يتركوهن : الفخر بالأحساب ، والطعن، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة" ، وقال : "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة ، وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب". أخرجه مسلم.


وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أيُّما نائحة ماتت قبل أن تتوب ألبسها الله سربالاً من قطران ، وأقامها للناس يوم القيامة".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فلذه كبدي (ميمونه المعولي)

    الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    الحمد لله