الياروت قرية قديمة بملامح حديثة

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2004. 10:00 صباحاً

    في الطريق الى الكرك توقف عند مثلث الثنية، ثم خذ يمينك عبر عدة قرى حتى تصل الربة... او القصر... وطرق متعرجة تؤدي كلها الى قرية صغيرة تسمى الياروت, ربما تجد الطريق اليها من مفرق اخر حيث دمنة القرية الوادعة تتركها وتسير في الدرب سيرا على الاقدام الى الياروت، حيث "حرش" الصنوبر والقبران ينامان على كتف الطريق, تحت شجرة لوز مزهرة تذكر بالربيع وتخفف من وحشة الفناء.

    سر في الدرب، تأمل يمينا، ثم يسارا, بساتين زيتون، ودوالي تهدهد عناقيدها الايلة للقطاف، اقرأ في وجه الطبيعة، تأمل البيوت القديمة التي يحرسها بنات الحرمل، سلك شائك، اكف الصبر التي تحرس البيوت القديمة، نخلة باسقة تنتصب امام اطلال البيوت المصنوعة من حجارة سوداء تحدث عن الماضي بكل بهائه وامجاده، صدى صهيل الخيل صوت الجاروشة، بكاء طفلة،  كلها اصوات تتردد صداها في القرية المهجورة.

تسأل عن سبب تسميتها بهذا الاسم، فيقال بأنها كانت قرية رومانية اطلق عليها اسمان هما (ياريدا) و (مارودا) حيث يرددها الناس وكانت تسمى ايضا عين الماء في اللغة الرومانية.

وفي الخارطة الرومانية القديمة يطلق عليها اسم (الياروط)، واهل القرية سموها الياروت، حيث هناك نبع شهير ما زال قائما يشرب منه الناس، وتضخ مياهه بواسطة (موتورات) مما يجعل القرية تنعم بماء عذب لا ينقطع ابدا، يبلغ عدد سكانها حوالي ألفي نسمة معظمهم من المجالي، وهناك بعض الجيران المغتربين من فلسطين ومن عراقية الكرك في قرية الياروت مدرسة ثانوية للاناث الفرع الادبي وهي مدرسة حديثة تضم مكتبة ومختبرا حولها ساحة جميلة، كذلك هناك مدرسة للبنين من الصف الرابع الابتدائي وحتى العاشر يجاور المدرسة مركز صحي اولي واخر للبريد اما شوارعها فهي نظيفة معبدة.

    اسير باتجاه مسجد يطل من البعيد تحسب نفسك وانت تراه بأنك في العاصمة عمان، ذاك هو مسجد عطاالله المجالي الذي تحيط به حديقة غناء، درجات رخامية ثم تصل الى ساحة صغيرة تدخل منها الى مسجد فخم، بقبته، ومحرابه وشكله الهندسي المميز.

يجاور المسجد مضافة جميلة جدا لآل المجالي،  قربها بيوت فخمة تظنها منزوعة من ارض احياء العاصمة ومغروسة هناك، في السابق كانت حياة الناس بسيطة وجميلة، حيث يعيش السكان في بيوت الشعر التي كانت مضافات للكرم وهذه من اهم صفات اهل القرية،  ثم تحول الناس الى حياة الاستقرار، فقاموا ببناء البيوت وزرعوا الارض تجولت ما بين البيوت، اطل على شرفاتها على (اصص) الزرع التي تجملها، اعبر عن مبنى البلدية بنخيله الممتد حتى عنان السماء،  قصدت بيت الحاج (ابو بهجت) والذي كان يؤدي الصلاة في غرفة خضراء انيقة تشعرك بالراحة والسكينة عن اليمين (مهباش) ومبرادة (اداة خشبية لجمع القهوة).

     يسلم الشيخ وبقسماته الجميلة يستقبلني مرحبا، يسكب لي فنجانا من القهوة ثم يبدأ الحديث عن قريته، وسبب تسميتها لينتقل الى الحديث عن سكانها، فيقول انها قرية يتسم اهلها بالشهامة والرجولة، وعز الجار، وكان الناس في القديم يعايرون الرجل البخيل وينبذه المجتمع، فكان الرجل يبيع عباءته او حلاله من اجل الضيف، اذ يمتاز اهلها بصفة الكرم, وكان من عادات الناس السترة والحشمة.

    اما سكانها من آل المجالي فأصلهم من الجزيرة العربية من حوطة بني تميم من نجد، وهاجر الجد الكبير حتى مصر،ثم قدموا الى الخليل وتحدث عن سكان الكرك، فقال ان آل الطراونة اصلهم من طور سيناء والطنشات من بقايا الحكم العثماني، والايوبيين من زمن صلاح الدين الايوبي.

    كانت ارض الياروت لعشائر العمرو وبني حميدة،  ثم قدم الجد المجالي الى الخليل، حيث اعطي له رعاية الحرم الابراهيمي ليكون مسؤولا عنه وفي السابق كانت العشائر تعيش على الفطرة, فعندما يولد الطفل يوضع على رأسه قرش يرصد للخليل, كذلك اذا ولدت عنزة،  فإن هناك قرشا يخصص للخليل ايضا، وكان المسؤول عن ذلك الجد الكبير الذي يسمى (ميزان التميمي) وقد طلب من احد ابنائه واسمه جلال ان يأتي للياروت ويقوم بجمع الوقف للخليل فلما قدم لعدة سنوات وتعرف على الناس، عرضوا عليه ان يعطوه ارضا ليزرعها في الياروت فوافق على ذلك واعطوه (شكارا) اي حصة.

    وصار يحل مشاكلهم، في السنة الثانيةتزوج وانجب ثلاثة اولاد هم: محمد، حمد،  احمد، ومحمد هو الكبير بينهم صارت له زعامة الشيخة، وذهب الى قرية (مرود) من قرى الكرك.اما قدوم المجالي على الخليل من نجد فقد كان قبل (267) سنة صمت الحاج ابو بهجت، وراح يسترجع بعض الذكريات؛ حيث القرية التي كانت تعيش على الزراعة يتخيل بيادر القمح وايام الحصاد اما قوتهم فكان عبارة عن اللحم والسمن والجميد، وكانت الخضار غير معروفة، فلا بطاطا، ولا بندورة او عنب!

    يتذكر (الطرحة) ويقول عندما يدرس القش على الحلال والحصيد على اليد، ثم يتحدث عن (العرجة)، ويقول هذا عندما تكدس اكياس القمح فوق بعضها،  اما (النص مد) فهو الذي يكال به الحب،  منه عشراوي والفردة.

    وقد عمل الحاج ابو بهجت في التجارة، حيث كان يملك بقالة يبيع فيها الحبوب ويحصل حوالي (20-25) طنا من القمح،  يتلفت من النافذة ويشير باصبعه الى حانوت مغلق ثم يقول هنا كان بابور طحين، وكان الناس لا يأكلون سوى خبز الطحين الذي يتم طحن قمحه في البابور،  لتوقد النار داخل البيوت،  ويخبز على الصاج اما العدس المصاب بالسوس فقد كان ينخب ويطبخ منه الشوربة، والرشوف، ومع خشونة الحياة لكنها كانت اكثر جمالا وصفاء.

    الحاج ابو بهجت انسان موسوعي،  مثقف، يتحدث عن اصل كنية الجعبري من الخليل فيقول بأنه كان هناك رجل مريض لم يجد له الطب دواء،  فجاء احد القادمين من خارج المدينة وقال بأنه قادر على شفاء المريض،  الذي كان قد اعلن ان من يستطيع مداواته وعلاجه فإنه سيزوجه من ابنته،  فوصف له القادم دواء عبارة عن الصوم،  بحيث يأكل يوما ويجوع يومين، وفعلا طاب المريض وبرأ،  فقيل (جاع- بريء) وسميت جعبري....

اطل على مكتبه الحاج اراها تحتوي على كتب مختلفة مثل كتاب الحسين بن علي، والعشائر الاردنية،  عبقرية الصديق، السيرة النبوية.

    اغادر المكان اسلم على الشيخ اسير في طرقات الياروت، تراكتور يسد الطريق،  تجاوره سيارة حديثة، اجول بناظري هنا وهناك، عمان ام الياروت، انها قرية جميلة،  تحمل على كاحلها عبء رجال اعطوا الكثير للوطن.

التعليق