حسين الأعظمي: ما تداعى أثناء الحصار سقط بعده

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2004. 10:00 صباحاً
  • حسين الأعظمي: ما تداعى أثناء الحصار سقط بعده


ولد حسين اسماعيل الأعظمي في بغداد في العام 1952، من عائلة دينية تمارس المقام العراقي أبا عن جد. في العام 1972 دعي من قبل لجنة الاختبار للمطربين الجدد حيث أصبح مطربا معتمدا لدى إذاعة وتلفزيون العراق منذ ذلك الوقت.


   تخرج من معهد الدراسات الموسيقية في العام 1979 ليصبح بعدها أول مدرس أكاديمي للمقام العراقي، كما حصل على بكالوريوس في العلوم الموسيقية من جامعة بغداد في العام 1991.


   وزع الأعظمي المقام العراقي هرمونيا وكونترابويتنتيناً في سابقة من نوعها في العام 1990، وغنى في أكثر من 70 بلدا على أشهر المسارح العالمية، كما شارك في معظم المهرجانات الأردنية المحلية.


   شغل الأعظمي موقع مدير فرقة التراث الموسيقي العراقي منذ العام 1978 وحتى اضمحلال الفرقة في أواخر الثمانينات، كما شغل منصب مدير بيوت المقام العراقي في بغداد والكثير من محافظات العراق.


   حاز العديد من الأوسمة والميداليات والشهادات والألقاب منها لقب (سفير المقام العراقي) في العام 2003، كما حاز جائزة الإبداع في العراق كأفضل مطرب لعام 1999، إضافة إلى جائزة (ماستر بيس) من منظمة اليونيسكو عن بحثه في المقام العراقي والذي يتضمن تحليلا علميا لمجموعة من المقامات العراقية المهمة. ويشغل حاليا منصب عميد معهد الدراسات الموسيقية في بغداد. الغد التقت الأعظمي، الذي شارك مؤخرا في مهرجان الاغنية الاردني كعضو لجنة تحكيم، وكان الحوار التالي:


•شكلت ظروف الحصار،كما يبدو، نوعا من الحماية للأغنية والمقام العراقي من موجة العولمة، هل ستتأثر الأغنية العراقية برأيك بهذه الموجة الآن؟


في مقدمة كتابي (المقام العراقي إلى أين) الذي نشر في بيروت في العام 2000 أثرت هذا التساؤل، وهل ستصهر التكنولوجيا الموسيقية الحديثة خصوصيات الأمم، أم سيبقى هاجس العودة إلى الجذور والخوف على الموروثات والممتلكات التراثية. هناك دراما كبيرة يعيشها الإنسان الحالي ما بين واقعه وهاجس العودة إلى الجذور، وهو ما نعمل كمثقفين على تجنبه بكل هوادة. على الإنسان أن يتمسك بقاعدته الثقافية، من خلال معادلة بسيطة: أن يتعلق ويتعلم من جذوره ويعيش حاضره ويطمح لمستقبله.


   أما فيما يخص الأغنية والمقام العراقي فلا أعتقد أنها ستتأثر بموجة العولمة، فالتاريخ أثبت أن إبداعات الشعوب تنطلق من التراجيديا. والمأساة التي يعيشها الشعب العراقي جادة وصادقة لهذا السبب فأنا لست متشائما، الفنون ستتطور بحكم الظروف والمأساة الجديدة، لأن الإلهام صادق وجاد.


•الفنون العراقية الأخرى كالرسم والنحت لاقت انتشارا برغم الحصار، لماذا برأيك تأثر اللون الغنائي أكثر من غيره؟


   بعد الـ1990 والظروف السياسية المعروفة ضعف اقتصاد الدولة، وعجزت عن رعاية وحماية أفكارها من خلال أبنائها الفنانين، لذلك فتح المجال بشكل يكاد يكون قسريا أمام النتاجات الفردية، فظهرت النتاجات الفردية ومن ضمنها أنواع الفنون الأخرى على السطح كونها لا تحتاج إلى رعاية كبيرة من الدولة، فظهر الملحن والرسام كون هذه الاجتهادات لم تخضع لرقابة أو تقييم.


•والآن...؟


تدمر العراق بعد الحصار، وما تداعى أثناء الحصار وقع بعده أقصد في المرحلة الحالية، ونحن كفنانين ومثقفين وأصحاب رسالة نحاول أن نبني ما تهدم، الفنانون الآخرون اعتمدوا على جهودهم وامكانياتهم الفردية للنجاح والظهور، فببساطة ليس لديهم ما يخسروه، فاستمروا بالسعي لتحقيق طموحاتهم. تجربتي الشخصية على سبيل المثال، تقاعدت من عملي الرسمي في العام 1993، فالمردود المادي أمسى غير مجد، هذا أولا، وثانيا بعد رحيل المبدع (منير بشير) لم أستطع العمل مع عقلية أقل منه، فتقاعدت وانطلقت من جديد معتمدا على نفسي لكنني بخلاف الكثيرين لم أكن شابا صغيرا تغريني أية لقمة سائغة، وهو للأسف ماحدث مع الكثيرين نتيجة الظروف القاسية.


•هل تعتقد أن المغنين العراقيين ممن انتشروا عربيا أمثال كاظم الساهر ورضا العبدالله ومحمود أنور حملوا اللون العراقي لخارج العراق؟


معظم مغنيي الجيل الثمانيني والتسعيني تتلمذوا لدي في معهد الدراسات الموسيقية، ومن ضمنهم الأسماء التي تم ذكرها، ومنهم من بقي متمسكا بهيكلية المقام العراقي ومنهم من خرج عنه، ولا ضير في ذلك ما دام المتلقي يميز اللون العراقي في الأغنية، فيجب أن يكون للأغنية الحديثة أم وأب، بمعنى أن تكون جذورها معروفة، فالأغنية التي تعرف كأغنية عراقية حتى لو تطورت تبقى أغنية شرعية بالمعنى الذي ذكرته.


•ما تقييمك للتجارب الغنائية الأردنية؟

 
يجب أن يكون الطموح كبيرا بأن يتم صنع أغنية أردنية حقيقية كلاما ولحنا وصوتا، كالمصرية والتونسية والعراقية، فلنأخذ عمر العبداللات كمثال، يعد تجربة ناجحة جدا وسط المعطيات المتواجدة لديه، لكنه في النهاية قدم (أغنية أردنية).التجربة اللبنانية كذلك يشاد بها فلا يزال كبار مغنين لبنان يقدمون الأغنية باللغة الأم ويتبنون الجيل الجديد من الشباب إلى ذات الاتجاه، انها تجربة ممتازة برغم علاتها فلا يوجد نجاح مطلق.


•هل تعتقد أن الأصوات التي ظهرت في مهرجان الأغنية الأردني الرابع، تشكل خميرة جيدة لحركة أردنية جديدة؟


   بحسب ما رأيته وسمعته نعم أعتقد ذلك، فأصواتهم قوية وممتازة، وواعدة أيضا. وليس هناك أي اعتراض من حيث خامات الصوت، المهرجان بحسب رأي القائمين عليه قد بلغ أهدافه التي وضعها منذ البداية، إلا أن لدي تعليقا هنا، وهو أن الأهداف الموضوعة صغيرة مقارنة مع الجهود المبذولة، ولا يكفي أن يكون الهدف (نحو أصوات أردنية شابة) بل يجب أن يتطور إلى (نحو أغنية أردنية حقيقية) محتفظة بأصالتها وطابعها التراثي.


   كما أن لي تحفظا على الفئة العمرية المختارة في المهرجان وهو ما سبق وذكرته في المؤتمر الصحفي، يجب أن تكون الأصوات الشابة في بداية مشوارها الفني حتى يتم صقلها لاحقا بشكل صحيح، هناك بعض المتسابقين يبلغ عمرهم 30 عاما أي أنهم من المفترض أن يكونوا قد استقروا على لونهم الغنائي، من الأسهل أن توجه من هو في بداية حياته الغنائية للأسلوب الصحيح، فيأتي اختيار الصوت كمرحلة أولى ومن ثم توجيهه كمرحلة ثانية.


•وكيف يكون إصلاح الأغنية العربية عموما برأيك؟


   يبدأ من المناهج الدراسية الغنائية في المعاهد والجامعات، وقد نوقشت هذه المشكلة في مؤتمر (مدراء معاهد الموسيقى في الوطن العربي)، وتم التوصل إلى ضرورة الاعتراف المر بجهالة المناهج والمتعلمين للموسيقى، منهج العود مثلا، لا يوجد مناهج لتدريس آلة العود بأسلوب أكاديمي في كل الوطن العربي باستثناء العراق، وهو يسمى منهج الشريف محيي الدين، حيث نقلت تقنيات آلة التشيلو من قبل العازف حيدر أمين للعود وطلابه كلهم تقنيون.


   هناك فرق بين التدريس الأكاديمي الموسيقي الغربي والشرقي، في الكمان مثلا نرى 20 عازف كمان يصعدون وينزلون في لحظة واحدة، المدرسة الغربية تحوي رموزا واضحة، وكل شيء مكتوب لذلك لا نرى عازف الكمان ينظر إلى صاحبه أثناء العزف، وهو ما يجب أن نبحث عنه أثناء تصليح المناهج التعليمة الموسيقية التوحيد والانسجام، ومتى حدث اصلاح تعليمي في الموسيقى سينتقل بالتأكيد إلى الغناء.

التعليق