محمد برهومة

كي ننجو من تحريم الحياة

تم نشره في الجمعة 23 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

خلق الله الكون متنوعا متعددا، وجعل الحياة مليئة بالألوان والاختلاف والتحول، فلماذا يريد البعض أنْ يقنعنا بأن رضا الله يكمن في جعل الناس على نسخة واحدة، وعلى شكل واحد ولون واحد وطريقة واحدة، ويقولون لنا إنها السبيل الوحيدة إلى الله؟ كان هذا التساؤل في صلب فعاليات المؤتمر السنوي الثاني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، والذي انعقد قبل أيام في مدينة مراكش المغربية، تحت عنوان "الخطاب الديني: إشكالياته وتحديات التجديد".
كانت غالبية أوراق العمل تهجس بالدعوة إلى الالتفات إلى القيم الإنسانية الكبرى التي جاء الدين لتحقيقها وإشاعتها بين الناس، وإلى الانتباه إلى أن انطفاء هذه القيم في الخطاب أو الخطابات الدينية، إنما يعني نموذجا أو نماذج خشنة ومغلقة من التدين والعلاقة مع الله والناس والحياة، قد تصل في درجات تشددها (أي النماذج) إلى الاقتراب من تحريم الحياة نفسها واعتبارها عبئا، برغم أنها في الحقيقة هي أغلى هدية من الخالق إلى الإنسان.
ينبغي على الخطاب الديني اليوم التوقف مليا ومطولا عند فكرة العصر الذهبي للفكر الديني: هل يكمن في الماضي أم في المستقبل؟ هل ثمة إمكانات لإنتاج خطاب/ خطابات دينية تتجاوز تمجيد الذات والاعتقاد باكتفائها وأسطرتها وتتجه إلى الآخر دونما تبخيس أو شيطنة؟ هل ثمة إمكانات لوضع معايير لجودة الخطاب الديني، على رأسها أن يكون إنسانيا ونسبيا وأخلاقيا وحرا، ويخرج من دائرة أنه الوحيد الذي يحتكر رضا الله تعالى؟
إشكالية الخطاب/ الخطابات الدينية اليوم وتحدياتها، لا تقف فقط عند النماذج التي تطرحها الجماعات الجهادية المتطرفة على امتداد دول العالم، بل إن الأمر يشمل أيضا ظاهرة الإسلام السياسي التي تريد اختزال الدين في أولوية الوصول إلى السلطة وممارسة الحكم، بما يهدر، غالبا، الإمكانات الأخلاقية والإنسانية الهائلة التي ينطوي عليها الدين، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال حصرها في مسألة العمل السياسي والتنافس على الوصول إلى الحكم وفرض رؤية ضيقة ومحددة وكالحة لممارسة التدين تقتصر على الشكليات والطقوس وتغفل قيم الرحمة والتسامح والخيرية والتضامن والمحبة والتواصل والتواضع.
لقد تنبهت مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" مبكرا إلى هذا الفهم، من خلال تأكيد أن من أهم مبادئها الإقرار بأن "الإنسان أوسع من أن تُختصر خيريته في دين أو مذهب أو طائفة أو عرق"، وبأن "كرامة الإنسان وسعادته تكمن في احترام حريته، وأن الرؤى الشمولية أيا كان مصدرها لا تنسجم مع اختلاف الشعوب والأمم وتنوع الثقافات وتعددها". وبالتالي، فإن "الإيمان اللامحدود وضمير الإنسان الأخلاقي كفيلان بمساندة رشده العقلي وحراكه المعرفي من أجل بناء حضارته الإنسانية والنهوض بمجتمعه والارتقاء به".
ما يمكن قوله هنا باختصار، هو أن المستقبل سيكون العصر الذهبي للفكر الديني حين يؤكد هذا الفكر أن الدين يسعى إلى إسعاد الإنسان عبر توسيع حرياته لا التضييق عليها، وعبر الثقة بضميره الأخلاقي لا عبر النظر إليه كمكلف ينبغي منعه بكل الطرق والأساليب أن يخرج عن "الصراط المستقيم". سيكون المستقبل هو العصر الذهبي للفكرة الدينية حين تكون سندا للعقلانية والمعرفة والعلم والإبداع والخير والجمال، وبما يضفي على الحياة المعنى السامي الذي يكرس صلاح الإنسان، من خلال انفتاحه وتعقله وتحرره، لا من خلال حبس أشواقه وأحلامه وحريته وعقله.

التعليق