منار الرشواني

الشعوب تريد الاستقرار

تم نشره في السبت 24 أيار / مايو 2014. 12:01 صباحاً

وفق أبسط معايير المنطق، يُفترض أن يكون مطلب الاستقرار محل إجماع المواطنين، كل المواطنين، في دول العالم كافة بلا استثناء. لكن على بداهته، يبدو هذا المطلب اليوم مثار جدل في العالم العربي، لاسيما منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي".
تفسير هذا الجدل، الخارج عن المنطق، يمكن إيجاده في مفهوم الاستقرار؛ وبالتالي حقيقته، ومآلاته. ذلك أن أشد درجات الاستقرار، وكما يروج له البعض فعلاً؛ ضمناً إن لم يكن صراحة، يمكن أن تتأتى باستخدام أشد درجات القمع والترهيب؛ عبر اعتقالات جماعية وعشوائية، واستئصال تام لحرية التعبير، بما فيها حرية الإعلام، التي تعتبر وفق هذا الفهم جريمة تحرض المواطنين على الاحتجاج و"عدم الاستقرار". وكمثال واضح على ذلك، لا بد وأن تكون كوريا الشمالية هي أكثر دول العالم احتراماً هنا، باعتبارها عن حق الأكثر استقراراً وفق هذا الفهم؛ فلا مظاهرات، ناهيك عن عمليات مسلحة أو إرهابية، ولا حتى مجرد اعتراض على سياسة عامة، على مستوى قضية كبرى أو صغرى، حتى بعد أن حصدت مجاعة في سنوات سابقة مئات آلاف البشر هناك.
لكن مثل هذا الاستقرار الظاهر هو ما يسمى في علم السياسة "عدم الاستقرار الهيكلي"؛ الذي يتغلغل في بنية الدولة والمجتمع، ويكون عرضة للانفجار بأشد وأبشع صوره، عندما تحين الفرصة، أو تنتهي القدرة على الاحتمال. ولعل هذا ما جسده ويجسده العالم العربي خصوصاً. فأكثر الدول العربية "استقراراً" فيما مضى بالحديد والنار، هي اليوم الأشد اضطراباً، والعكس صحيح؛ أي إنه يمكن تفسير نجاح دول في عبور محطة "الربيع العربي" بسلام فعلاً، لاسيما الأردن (والمغرب)، بفضل هامش الحريات الأوسع، ورفض الصبغة الأمنية في التعاطي مع المجتمع، تاريخياً.
وفق هذه الحقيقة، لا يعود ممكناً حتى القول إن الشعوب العربية التي ثارت على أنظمتها المستبدة والفاسدة هي نادمة اليوم على ما فعلت. إذ لا يمكن أن يكون أي شخص نادماً على استبدال موت بموت آخر، يسبقه غالباً اعتقال وتعذيب وحشي. أما الدليل الآخر والأوضح على ذلك، فهو أن هذه الشعوب عندما تعطي الأولوية اليوم للاستقرار، فإنها تفعل ذلك باعتباره صراحة، وعن حق، متطلباً أساسياً للازدهار؛ أي تحقيق الأهداف والآمال التي دفعت شعوباً إلى الثورة، وليس على حسابها أبداً، أو تراجعاً عنها.
وحتماً أن تحقيق هذا الشرط لا يمكن أن يتأتى في ظل إقصاء فئات واسعة من المجتمع، ناهيك عن القمع بأشكاله كافة؛ فذلك لا يعني، مرة أخرى، إلا استمرار عدم الاستقرار، وإن تمت التغطية عليه وتأجيل انفجاره لفترة مؤقتة. ولعل خير مثال على ذلك هو مصر محمد مرسي التي يحتج بها أنصار "عدم الاستقرار الهيكلي الكامن". إذ يمكن تفسير وجود تأييد شعبي لإزاحة الرئيس مرسي، بغض النظر عن حجم هذا التأييد، في الشلل الاقتصادي الذي أصاب مصر، لأسباب كثيرة، لخصتها حالة عدم الاستقرار في عهده، فأراد الشعب التخلص منها.
فعلاً، الشعوب العربية تريد الاستقرار، لكن ليس بتكميم الأفواه والاعتقالات والقتل والنفي، بل هي تريد استقرار الحرية والازدهار؛ فكل ما عدا ذلك لا يمكن أن يكون استقراراً أبداً مهما طال أمده.

التعليق