نضال منصور

أزمة وتحديات المجتمع المدني

تم نشره في الأحد 25 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

عُقِد في القاهرة الأسبوع الماضي مؤتمر "نحو رؤية حقوقية لحركة المجتمع المدني في العالم العربي" بتنظيم مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، والبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، ومؤسسة المستقبل.
والسؤال الذي استقبلت به حين كتبت على الفيسبوك عن انعقاده: هل تنظيمه في مصر في هذه الظروف السياسية مناسب، وبعد كل هذه الأحداث؟!
واستوقفني أيضا في حفل الافتتاح مشاركة أربعة من قيادات حركة حقوق الإنسان من مصر، وكلهم قامات معروفة عربيا ودوليا يُشارإليهم بالبنان، وجميعهم لم يتطرقوا للانتهاكات الحقوقية التي حدثت وتحدث في مصر.
ربما يكون لديهم موقف من "الإخوان المسلمين"، ولا يؤيدون الرئيس المخلوع محمد مرسي وهذا حقهم، ولكن غضّ النظر عن الانتهاكات ضد حقوق الإنسان والسكوت عنها، أمر غير مقبول، وهو ما دفعني لسؤال السياسي والحقوقي عمر حمزاوي إن كان هناك تواطؤ وسكوت من بعض المؤسسات الحقوقية عن هذه الممارسات المضادة لكل مبادئ ومعايير حقوق الإنسان، وهو ما أكده بوضوح ودون لبسٍ، وذهب أكثر من ذلك ليقول "إن العسكر حين يحكمون لن يقبلوا بالشراكة مع أحد حتى مع من استدعوهم".
هذه الملاحظات على المؤتمر لا تقلل من أهميته الاستثنائية، فهو يُعقد في زمن التحولات وانهيار الأحلام والرهانات على أحلام الربيع العربي، فالشعارات المطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية ذوت ولم تعد تُسمع، وأصبح هاجس الجميع "الخبز والأمن" بعد الفوضى والخراب والدم الذي أُريق ويراق في كثير من بلدان العالم العربي.
وأهمية المؤتمر يكتسبها من نخبة الأسماء التي عملت طوال العقود الماضية على التبشير والعمل من أجل حقوق الإنسان والعدالة وصيانة الحريات، وقد انعكس هذا الامر في المُحتوى وأوراق العمل التي يستحق بعضها الدراسة والتأمل واستخلاص الدروس والعِبر.
كان الحديث في جلسات المؤتمر لا يحتمل المجاملات والتنظير بعيدا عن الواقع، واقتبس بعض العبارات الدالة، فالدكتور رياض الصيداوي يقول "الأساطيل العسكرية لا تتحرك من أجل المبادئ؛ بل من أجل المصالح"، ومن أطرف العبارات ما قاله أحد المتحدثين "بنستورد كل شيء من الغرب، ليه ما بنتسورد الحرية؟!"، ولم يتردد أمين عام المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة من القول "يريدون أن ننظر بعين واحدة، نشير لانتهاكات السلطة، ونغض النظر عن جرائم الجماعات الإسلامية"، وهو كلام يلخص الاتهامات والجدل في مصر وفي أوساط الحركة الحقوقية.
المؤتمر كان فرصة لي للحديث عن أزمة وتحديات حركة حقوق الإنسان في الأردن وهي لا تبتعد كثيراً عن العالم العربي، وقد لخصتها بعناوينَ اساسية أهمها، الاستقلالية، فالمجتمع المدني الناشئ ليس من السهل أن يتحرك في فضاءٍ من الاستقلالية في ظل قوانينَ مقيدة، وليس من السهل أن يحقق نجاحاتٍ واختراقاتٍ وانجازات إذا تقوقع ولم يعمل مع كل أطراف المعادلة، والمشكلة كما يقال "إذا ابتعد كثيرا عن السلطة برد، وإذا اقترب منها كثيرا احترق"، فهو لن ينجو من اتهامات العمالة أو العداء، وتزداد الازمة في ظل حالة التناحر والتجاذبات السياسية.
ومن عناوين الأزمة للمجتمع المدني هو البناء المؤسسي، فهناك مؤسسات تحظى بالرعاية الملكية والحكومية خارج كل الضغوط ويُوفر لها كل الدعم، وهناك "دكاكين" تحمل يافطات مؤسسات مجتمع مدني، ومن يتحرك خارج هاتين الدائرتين في وضع لا يحسد عليه.
أكثر التحديات لمؤسسات المجتمع المدني كانت وما تزال موضوع التمويل، فلا توجد صناديق عربية تدعم خاصة التنمية السياسية، والحريات وحقوق الإنسان. ومفاهيم المسؤولية الاجتماعية للشركات الوطنية تتجنب هذا النوع من التمويل، والجهات المانحة تتغير أجندتها التمويلية ولا تقدم مِنحاً طويلة المدى، ما يضعف قدرة المؤسسات على التخطيط الاستراتيجي والاستدامة.
ومهما قيل عن التحديات وأزمة المجتمع المدني فإنه لا يمكن القفز عن قضية الأثر لعملها، وهو ما تطالب به، وسط بيئة ضاغطة وطاردة للعمل المدني، وهو ما يفرض عليها أن تعيد النظر بأنشطتها وأولوياتها وآليات عملها بعد أن ظلت ولعقود تتحرك بفضاءات نخبوية ولا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الشارع؛ القوة الأساسية المحركة للتغيير.
تشخيص أزمة وتحديات المجتمع المدني بعد مرحلة الربيع العربي ضرورة حتى لا تظل تلهث وراء السراب.

التعليق