عدوانية الفكر والدولة

تم نشره في الأربعاء 28 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً


أريك بندر- معاريف

بينما تناكف الوزيرة تسيبي ليفني، المسؤولة عن المفاوضات التي لفظت أنفاسها، الوزير نفتالي بينيت واليمين علنا حول تصريحات النوايا لضم مستوطنات في المناطق إلى السيادة الإسرائيلية، فإن النائبين أوريت ستروك من البيت اليهودي ورئيس الائتلاف ياريف لفين من الليكود، اللذين يقفان معا على رأس لوبي أرض إسرائيل، وضعا على طاولة الكنيست أمس سلسلة من عشرة مشاريع قوانين لضم كل المستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة.
ويدور الحديث عن الضم وفرض القانون والسيادة الإسرائيلية على غور الأردن، وتكتل أريئيل، وتكتل قلب السامرة، وتكتل موديعين، وتكتل منشه، وتكتل مركز بنيامين، وغوش عصيون، وتكتل حبرون وبناتها (الخليل)، ومعاليه ادوميم وغربي السامرة. في هذه المناطق (المنطقة ج) يسكن نحو 350 ألف يهودي ونحو 70 ألف فلسطيني. وتشمل مشاريع القوانين أيضا ضم كل المناطق التجارية والصناعية، المواقع الأثرية، الطرق، مناطق (ج) وكل أراضي الدولة التي بين المستوطنات.
هذه المرة لا يدور الحديث عن حركة عفوية، بل عن فعل مخطط جيدا يقوده ستروك ولفين، الرمزان اليمينيان لائتلاف نتنياهو، نسق في الأسابيع الأخيرة سرا مع مجلس "ييشع" للمستوطنين، مع قادة المستوطنات اليهودية في المناطق ومع جمعية "رغافيم".
"يوجد هنا قول واضح"، تشرح النائبة ستروك. "وصلنا إلى نهاية المسار. مسيرة أوسلو ماتت وتبددت نهائيا. في نظرنا مسيرة أوسلو كانت نوعا من الانحراف عن الخط الصهيوني السليم، كلفنا أثمانا أليمة. نحن نريد إصلاح الوضع والعودة إلى المسار الصهيوني الحقيقي".
وعلى حد قول ستروك، فالحديث لا يدور فقط عن اعلان رسمي عن موت مسيرة أوسلو بل وأيضا عن موت المسيرة السياسية التي حاولت الوزيرة تسيبي ليفني دون نجاح إحيائها في الأشهر التسعة الاخيرة. "رغم أننا لم نؤمن، أعطينا هذا فرصة أخرى. أما الآن فواضح للجميع أنه ليس هناك مع من يمكن الحديث؛ وأن أبو مازن ليس شريكا؛ وأنه لا يريد حقا السير في رؤيا الدولتين".
حين يدعيان أن أوسلو مات والمسيرة السياسية تبددت، فإن ستروك ولفين يسيران نحو الحل الوحيد الذي يبدو في نظرهما ذا صلة، واليه قصدا منذ البداية: ضم كل اراضي الاستيطان إلى نطاق أرض إسرائيل. كما ستروك تقول إن رزمة القوانين هي نوع من شارة الثمن السياسية تجاه الفلسطينيين.
وتقول ستروك، "نشأ وضع يفعل فيه الفلسطينيون ما يريدون، هم يتخذون خطوات احادية الجانب وإسرائيل لا ترد. هذا لا يطاق من ناحيتي. نحن لا يمكننا أن نكون إمعات الفلسطينيين. عليهم أن يفهموا بأنه توجد شارة ثمن على أنهم يفعلون ما في رؤوسهم في الساحة السياسية. على إسرائيل أن تبلور حيالهم بنك خطوات من طرف واحد كيف يعرف ابو مازن ورجاله بأن هذا خيار على الطاولة".
ويوضح شريكها في المبادرة لفين، "نحن نعرض هنا رؤيا واضحة عن مستقبل الاستيطان ومستقبل دولة إسرائيل، خطوة كهذه، للضم ولإحقاق حقنا في البلاد، ليست عادلة وصحيحة فقط بل إنها تعزز الاستيطان أيضا، وفي نهاية المطاف تعزز دولة إسرائيل وتزيد فرص الوصول إلى تسوية في نفس الوقت. عندما يبدأ جيراننا بالاستيعاب بأننا هنا كي نبقى، فإنهم سيحترموننا اكثر وسيفهمون بأن تسويف الوقت لا يعمل في صالحهم بل في طالحهم".
ويضيف لفين أن رزمة قوانين الضم هي عمليا اعلان بصوت عال عن موت اتفاقات أوسلو: "اتفاق أوسلو ولد ميتا. كان هذا خطأ تاريخيا جسيما جدا، فضلا عن أنه جلب علينا الارهاب الذي جبا اكثر من ألف قتيل وعدم استقرار لكل المنطقة، فإنه لم يساهم في شيء".
بدون فزع
أحد المحفزات لقرار ستروك ولفين أن يرفعا الآن رزمة قوانين الضم كان تصريحا غامضا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي قال الأسبوع الماضي في مقابلة مع شركة "بلومبيرغ" إنه في إسرائيل يتعاظم التوافق على وجوب تنفيذ خطوة احادية الجانب حيال السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، يضيف نتنياهو تحفظا: "نحن لا نريد دولة ثنائية القومية، ولكننا لسنا معنيين أيضا بدولة ارهاب ايرانية على مدخل بابنا".
هذا القول كان بالنسبة لستروك ولفين رفعا لغرض الإنزال. كلاهما يشددان أن على الأرض لا يوجد ومحظور أن يكون فراغ. اذا ما انهارت المفاوضات السياسية كما يعتقدان، فإنه ينبغي التوجه نحو خطة بديلة لضم المناطق إلى السيادة الإسرائيلية. وليس صدفة، ففي الشروحات لمشاريع القوانين غرست فقرات كاملة من وثيقة الاستقلال، في ظل تنفيذ الملاءمات اللازمة. وهكذا مثلا، في مشروع القانون لضم غوش عصيون كتب أن "منطقة غوش عصيون كانت منذ البداية جزءا لا يتجزأ من أرض إسرائيل التاريخية، عرش مولد شعب إسرائيل. وبعد أن نفي الشعب من بلاده أبقى لها الإخلاص في كل بلدان شتاته ولم يكف عن الصلاة والامل في العودة إلى بلاده واستئناف حريته السياسية فيها. وانطلاقا من العلاقة التاريخية والتقليدية هذه سعى اليهود في كل جيل إلى العودة والتمسك بوطنهم العتيق. ان حق شعب إسرائيل على هذه الأقاليم من البلاد اعترفت به أمم العالم أيضا في تصريح بلفور وفي قرار سان ريمو".
ومؤخرا بدأ وزراء اليمين ينشرون الواحد تلو الاخر خططا سياسية بديلة. فقد تحدث الوزير إسرائيل كاتس عن النية لضم غوش عصيون أولا. وتحدث الوزير بينيت عن ضم المناطق (ج)، أي 60 % من المناطق، بينما وقفت تسيبي ليفني بغضب ضد خطط الضم لـ"بينيت وأمثاله". واقترحت بالمقابل التوجه إلى خطوة تجميد البناء خارج الكتل الاستيطانية.
وقالت ليفني إن "بينيت يقترح ضم المناطق (ج)، هدم الجدار وجعلنا عمليا دولة واحدة. يقول نعطيهم حكما ذاتيا ولكن اذا دمرنا الجدال وبقيت أرض واحدة ففي نهاية المطاف سيصبح مليونان ونصف فلسطينيا مواطني هذه الدولة التي ستكون بين النهر والبحر، وهي لن تكون إسرائيل التي نحبها جدا بل ستكون دولة أخرى - نهاية الصهيونية".
أما ستروك فتقول: "اقترح على ليفني أن تتنفس عميقا والا تدخل في حالة فزع. حتى عندما تركت اليمين وانتقلت إلى يسارها العقلاني في أنها لا تريد دولة ثنائية القومية. اقتراحاتنا لن تؤدي إلى دولة ثنائية القومية لأنه في المناطق التي نريد أن نضمها لا يعيش سوى بضع عشرات آلاف العرب".
وتعترف ستروك بأن الاقتراح الذي تتقدم به هي ولفين هو في واقع الأمر "تطبيق لخطة بينيت وترجمتها إلى تشريع. لم أتشاور معه ولكن هذا هو ذات النهج". وهي تشرح أن هذه ليست خطة البيت اليهودي فقط لأن اجزاء كبيرة من الليكود ومن الشعب يؤيدون الفكرة الكامنة في مشاريع القوانين.
طريق تقسيم النقانق
لمناكفة مؤيدي مسيرة أوسلو وحل الدولتين الذي تعارضه، تستخدم ستروك ذات الحجج التي يستخدمها ضدها معارضو الضم. "مسيرة أوسلو بدأناها مع الكثير من السذاجة لأجزاء واسعة من الشعب. أما اليوم فوصلنا إلى وضع يفهم فيه الشعب أن فكرة الدولتين هي فكرة هاذية، غير واقعية".
تعترف ستروك ولفين بأنه لا توجد في هذه اللحظة إمكانية حقيقية لتشريع كل مشاريع القوانين بالقراءات الثلاثة في الكنيست الحالية، ولكنهما أرادا بداية "وضع الرسالة" على طاولة الكنيست وبعد ذلك الشروع في حث سلسلة القوانين مرحلة إثر مرحلة، بشكل تدريجي.
"نبدأ بالمشاريع الاكثر إجماعا: غوش موديعين، وبعد ذلك غوش عصيون اللتين يوجد حولهما برأينا إجماع في الشعب وفي الكنيست"، تشرح ستروك.
النائب يريف لفين هو أيضا رئيس الائتلاف، وعليه أن يثبته ويمنع الصدمات فيه. ليس واضحا كيف تستوي مشاريع القوانين هذه مع مهامه ومع مواقف يوجد مستقبل والحركة. بعد عدة اشهر سيخلي المنصب ليحل محل رئيس لجنة الخارجية والأمن زئيف الكين الذي سيحل محله كرئيس للائتلاف. غير أن النائبة ستروك تكشف النقاب عن أن الكين يعتزم أن يكون الموقع الثالث على قوانين الضم.
أما النائب لفين من جهته، فلا يعتقد أن رزمة الضم التي يقترحها ستؤدي إلى حل الائتلاف. ويقول: "إنك ملزم بعرض رؤيا. في هذا الائتلاف توجد خلافات في الرأي. لم أسمع رئيس الوزراء يؤيد الخطة ولكنه ليس ضدها أيضا. وبالمقابل، فإن الكثيرين من كبار الليكود يؤيدون الخطوة. بلورة أغلبية لهذه الخطوة في الائتلاف الحالي هي مهمة غير بسيطة ولكننا نجحنا في عمل امور أعظم حتى في الظروف الصعبة التي يمليها الائتلاف. بداية يجب عرض رؤيا، وعندها عرض حجارة الطريق وحث التشريع بشكل تدريجي. أقدر أنه على مدى الزمن سيكون ممكنا خلق إجماع واسع".
بالمقابل، سارعت وزيرة القضاء تسيبي ليفني إلى صب الماء البارد على رؤى الضم. وقالت إنه "لن نوافق في أي حال على خطوة احادية الجانب تعزل إسرائيل عن العالم وتحاول منع تسوية مستقبلية او تسعى إلى حث دولة واحدة بين النهر والبحر. قد يكون هذا جيدا لموقف في الفيسبوك. دولة إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بالضم. هذا بسيط للغاية. كل خطوة باتجاه الدولتين القوميتين نعم. كل خطوة باتجاه الدولة الواحدة بين النهر والبحر فلا".

التعليق