جهاد المنسي

الجوع كافر

تم نشره في الأربعاء 28 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

قال الكاتب التركي المبدع عزيز نيسين يوما، ذات ضيق يد "في هذا اليوم كاد يطير في السماء.. والمؤكد أن الأرض لم تكن قادرة على أن تسعه.. لقد قبض أول مرتب في حياته، بعد سنوات من التسكع والبطالة.. إنه اليوم سيبدأ حياة جديدة.. وسيودع كل حياته القديمة.. المريرة.
"لم يشأ أن يعود إلى بيته.. وقرر أن يغزو الحياة بما يملك في جيبه من سلاح.. دخل عمارة تحت التشطيب.. لكنه عندما خرج اكتشف أن مرتبه يكفي لأن يستأجر شقة فيها لمدة ساعتين.. وفي محل الثياب الجاهزة القريب منها اكتشف أن مرتبه يساوي نصف بنطلون بدلة.. أو قميصا ونصف رباط عنق.. أو حذاء من دون الرباط.. لكنه لم يشعر باليأس.. وواصل غزوه لقلب العاصمة.
"دخل مطعما كان يحلم بتناول طعامه فيه.. لكنه بمجرد أن لمح الأسعار في قائمة الطعام حتى هب من مكانه ليجد نفسه في الشارع.. فمرتبه لا يكفي إلا لتناول ثلاث وجبات هنا، بشرط أن يترك ساعة يده رهنا لباقي الحساب. وأخيرا هداه تفكيره لزيارة طبيب الأعصاب ليعالج نفسه من النوبات التي أصابته انتظارا للوظيفة.. وقبل أن يدفع بقشيشا للممرضة الحسناء عرف منها أن عليه أن يدفع ضعف ما في جيبه من مال، ثمنا للكشف وعربونا لخمس جلسات.. فالجلسة الواحدة لعلاج أعصابه تساوي ثلث مرتبه".
اليوم، وبعيدا عما وصفه التركي نيسين، جلس موظف مع زميله، وكان الشهر على مشارف الرحيل، فبدأ كل منهما يبث أوجاعه للآخر. قال الأول: السيارة بحاجة لصيانة، وهي تسير، لكن خوفي أن تخونني في أحد الايام، وتسقطني في امتحان انتظار نهاية الشهر، ولا يتبقى من الراتب ما يسعفني للوصول للميكانيكي لإصلاحها، وخاصة أننا بتنا على مشارف شهر رمضان الكريم، وما يحمله من مصاريف إضافية. أجابه زميله الآخر، الذي كان يستمع لشكوى رفيقه، وبعد أن بدت عليه علامات الحسرة والألم: "لا تشكيلي ببكيلك"، فالمدرسة تطالبني بأقساط متأخرة منذ أمد، وما أزال أعدهم بآخر الشهر، لعل وعسى أن أستطيع أن أفي بالوعد، وتكدست في جيبي فاتورتان للكهرباء وللماء، وثالثة ضريبة مسقفات، لم تدفع أي منها، على أمل أن يكون القادم أفضل، ولكن يبدو أن القادم بعيد.
على مقربة من الصديقين، كان يجلس عامل، ارتسمت على محياه علامات الشقاء والتعب، وبدا جبينه وكأنه يحمل تعب السنين وشقاء العمر، فتجعد الوجه، وشحب الجبين، فقال بصوت خافت: "نيالكم تفكرون في إصلاح سيارتكم، وتدريس أبنائكم في مدارس خاصة، ماذا أقول أنا الذي يخونني الراتب منذ بداية الشهر، رغم أن أبنائي في مدارس حكومية، ولا أملك سيارة خاصة، والراتب عندما يقبض يذهب كل قرش لمكانه، ولا يتبقى منه ما يسد الحاجات الضرورية للحياة".
مصادفة، كان بالمكان شخص آخر يبحث عن عمل، استمع لكلام العامل وتأففه من وضعه الصعب، فهم بدوره قائلا: "يا أخي.. احكي الحمد لله، أقل ما فيها إنت ملاقي شغل، شو أحكي أنا اللي ما في جيبتي قرش أحمر، ولا أستطيع جلب طعام لأطفال جياع، ليس لهم بعد الله إلا أنا".
ترى كم شخص بيننا يفكر بالطريقة ذاتها التي تفكر بها الشخصيات السابقة؟ وكم شخص بيننا، مر عليه ما مر على بطل قصة عزيز نيسين، من ألم وحسرة، وصدمة ولوعة؟!
ترى، هل ستبقى الحكومة تشيح وجهها طويلا عن شقاء الناس وقلة ذات يدهم، وتغض البصر عن صبرهم وتعبهم، وحسرتهم وخوفهم من قادم الأيام؟ ترى هل ستبقى الحكومة تراهن على صمت الناس طويلا؟ فللصبر حدود.. والجوع كافر!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سكوت الجائع ليس عبادة (سفيان)

    الأربعاء 28 أيار / مايو 2014.
    منذ نعومة أظفارنا علمونا أن الشكوى لغير الله مذلة و الافصاح عن الجوع امتهانا للكرامة . من هذا المنطلق فأنني لا أجدني مبالغا ان قلت "معظمنا" جوابا على سؤالكم سيدي "وكم شخص بيننا، مر عليه ما مر على بطل قصة عزيز نيسين، من ألم وحسرة، وصدمة ولوعة؟!" . البعض منا سيدي وقد ابتسم لهم الحظ عثر على وظيفة والكثير منا كشرت لهم التعاسة عن أنيابها فناموا على أبواب السفارات يحذوهم أمل يداعب مخيلتهم فيبنون قصورا ويزرعون حدائق ويصحون منها على وقع "آسف مافي مجال أو بنتصل فيك لما بيصير فرصة" . أما أولئك الذين اختاروا الوقوف في ساحات المياومة بين ابتسامة الحظ وتكشيرة التعاسة فقد توجب عليهم تقليل عدد الوجبات وتقنين المصاريف لأنهم وجدوا تناسبا طرديا غريبا بين زيادة عددهم وقلة الفرص المتاحة أمامهم . ندرك بأننا لسنا دولة بترولية وأن مواردنا شحيحة وأن انتظارنا للمساعدات التي غالبا مايتم تمنيننا بها انتظارا يشبه انتظار مداحي السلاطين على أبواب حكام مترفين .. وندرك بأننا مطالبين بالمحافظة على التراث والتقاليد فلا نكتفي باكرام ضيفنا أو اللاجيء لنا عن طريقة مقاسمته طعامنا نصفا بنصف بل علينا أن نراه يعاني من التخمة فيما نقاسي نحن من الجوع ، وندرك بأن على مدارسنا أن تداوم فترتين صبحا ومساءا ليزداد عدد المتعلمين ويلقى بالخريجين في سوق الانتظار والطوابير التي يصبح الاصطفاف بها نوعا من الادمان ، وندرك وندرك وندرك الكثير الكثير غير اننا ندرك أيضا بأنكم أصبتم سيدي بالقول بخاتمة مقالكم "فللصبر حدود.. والجوع كافر!" ولا نعتقد بأن أحدا يلومنا اذا تساءلنا "هل يمكن مطالبة الجائع بممارسة السكوت كمناسك عبادة ؟"