"الجاسوس الطيب" الذي أسس الحوار بين منظمة التحرير الفلسطينية والسي آي إيه

تم نشره في الخميس 29 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

ديفيد إغناتيوس - (الديلي ستار)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ما الذي يصنع جاسوساً جيداً؟ إنها ليست الصفات المتوهجة التي تشاهدها في الأفلام أو تكتيكات "مؤسسة القتل" التي تلقت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (السي أي ايه) الأمر باستخدامها أحياناً ضد الإرهابيين خلال العقد الماضي.
إنه شيء أكثر رقة وإنسانية، كما تشرح واحدة من السير الذاتية الجديدة التي لا تصدق لواحد من أشجع وأفضل ضباط (سي آي إيه) في الشرق الأوسط على الإطلاق.
الكتاب، المعنون بعنوان مناسب على نحو كاف "الجاسوس الطيب"، كتبه كاتب السيرة الذاتية الحائز على جائزة بوليتزر، كاي بيرد. وهو يروي قصة ضابط عمليات محترف يدعى روبرت آميس، الذي طور علاقة عميقة مع رئيس المخابرات في منظمة التحرير الفلسطينية، علي حسن سلامة، المعروف باسم "أبو حسن". وكان لدى سلامة اسم سري لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، هو MJTRUST/2 كمصدر سري، لكنه لم يكن عميلاً مجنداً ومسيطراً عليه أبداً -وهنا يكمن جوهر هذه القصة.
يتضمن كتاب "الجاسوس الطيب" كل مكامن الغموض والإبهام الأخلاقي التي يريد قارئ الإثارة الشغوف أن يتعرف عليها. كان سلامة واحداً من من أكثر المستشارين تمتعاً بالثقة لدى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وكان عضواً في منظمة أيلول الأسود. وكان الإسرائيليون قد حاولوا اغتياله مراراً قبل أن يفلحوا في ذلك في العام 1979. ومع ذلك، كان سلامة واحداً من أكثر صلات السي آي إيه قيمة في المنطقة، والذي أسند إليه الفضل في إنقاذ العديد من الأرواح الأميركية. ولقي أميس حتفه بشكل مأساوي في العام 1083 عندما دمر انفجار سيارة مبنى السفارة الأميركية في بيروت.
قبل أن أمضي أكثر في السرد، يجب عليّ أن أعلن عن مكمن اهتمام شخصي: كنت قد رويت قصة علاقة سلامة مع السي آي إيه، أولاً في قصة صفحة أولى لصحيفة وول ستريت جورنال في العام 1983، ثم في رواية متخفية بقدر رقيق باسم "عملاء بريئون"، والتي نشرت في العام 1987، وكلاهما أربك الوكالة. وقد شجعت بيرد بقوة على كتابة روايته الخاصة، معتقداً بأن القضية يجب أن تعرف لدى جمهور أوسع، لكنني مندهش بصراحة من حجم المعلومات الجديدة التي كان قادراً على الكشف عنها.
يجب على القراء الذين يريدون القصة الكاملة أن يعودوا إلى رواية بيرد شديدة التدقيق في التفاصيل. وهنا، أريد أن أستخلص بعض الدروس التي تنطبق على عمليات أميركا المستقبلية في مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات في الشرق الأوسط. وهي عملية مارستها الولايات المتحدة بشكل غير متقن على مدار العقد الماضي، لكن قصة بوب أميس تشرح كيفية القيام بها بالشكل الصحيح.
بالنسبة لأميس، كان التجسس نوعاً من نزعة الحجاج، حيث كانت تكافأ الفضيلة. كان يتحدث العربية بطلاقة، وكان على صلة عميقة بثقافة المنطقة. وكانت رسائله التي بعثها إلى الوطن تجيش بحماس مثير. وقد كتب لزوجته "إيفون" من سلطنة عمان في العام 1967 بحماس، فقال: "الناس هنا ودودون فعلا ومليئون بالضيافة العربية الأصيلة". ولا يمكنك أن تزيف هذا النوع من التعاطف، وأعتقد أنه لا بد أن يكون قد أنقذ حياة أميس أكثر من مرة.
استفاد تجسس أميس أيضاً من حقيقة أنه كان أميركياً جداً. كان ابناً لعامل صلب في بنسلفانيا، فجسد انفتاح وكياسة العديدين الذين يحبون أفضل ما يكون في الولايات المتحدة. وحيث كان الأعضاء المؤسسون للسي آي إيه ارستقراطيين محبين للعنجهية الأنجلو-سكسونية، فإن عملياتهم كثيراً ما وسمت، فإن أميس نقل روح أميركا الأساسية المتواضحة. وكان أوثق صلاته من العرب لبناني مدهش يدعى مصطفى زين (الذي، كما يوثق بيرد، لم يقبض نقوداً أبداً كعميل للسي آي إيه، رغم كل المساعدة التي قدمها) والذي انجذب إلى جوهر القيم الأميركية كطالب بعثة في "نابرفي" في ولاية "إلينوي".
جاء نجاح أميس في جزء منه لأنه كان يشتغل فوق الخط، مشاركاً زين وسلامة بأكثر بكثير مما ينصح كتاب قواعد السي آي إيه. وقد وضعه هذا أحياناً في تقاطعات مع إدارة السي آي إيه. والأهم من كل شيء أن أميس رفض المهنية الحرفية للسي آي إيه، والتي قالت إنه لا يمكن إيلاء الثقة لسلامة ما لم يكن عميلاً مسيطراً عليه. وقد حاول الأولاد القدامى القيام بذلك في العام 1970، حيث عرضوا على سلامة رشوة بقيمة 300.000 دولار شهرياً، لكن الفلسطيني رفض المال.
كان أميس يتحدث مع صلاته العرب بوضوح ومباشرة مدهشة. وكتب لزين في العام 1971، في واحدة من عديد الرسائل التي كانت لتحرق قلب رؤسائه في لانغلي: "أعرف (أن سلامة) عانى من بعض النكسات بسبب اتصالاته معي. كان أيضاً يسبق زمانه. لقد بدأنا بالفعل شيئاً جيداً وأعتقد أن التاريخ سيثبت أنه لو كان الناس أكثر حكمة وصدقاً، لكان من الممكن تفادي الكثير من التعاسة والبؤس".
لقد ارتكبت الولايات المتحدة العديد من الأخطاء في الشرق الأوسط منذ العام 2001، وحاولت أن ترشي أو تخيف أو تقتل خصومنا، أو أن تتحدث إليهم كبديل بكلام عن الديمقراطية. وتقف قصة أميس لتكون تذكرة لنا بأنه لا ينبغي لنا أن نفهم الأمور بهذا الشكل الخاطئ، وبأن أميركا ستكون الأكثر نجاحاً في لعبة التجسس وفي كل شيء آخر عندما تكون مخلصة لقيمها الأساسية.

*يكتب مرتين أسبوعياً في الديلي ستار.
*نشر هذا المقال تحن عنوان: A “good Spy” initiated the PLP-CIA dialogue

التعليق