محمد برهومة

الحقيقة غير "المفلترة"

تم نشره في الجمعة 30 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

كثيرة هي الأمثلة على ارتفاع سقف وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية وتميزها أحيانا عن الإعلام التقليدي، من حيث السبق والجرأة والتعبير الحقيقي عما يجري، بعيدا عن "فلترة" الإعلام التقليدي ورقابته الذاتية وغير الذاتية، وحساسياته الكثيرة.
أحد هذه الأمثلة يتبدى من خلال رصد هذه الوسائل بوصفها ميداناً للمنازلات السياسية وتصفية الحسابات مع الخصوم، الأمر الذي يجعل هذه الوسائل تدخل عهدا جديدا باعتبارها مدخلا أساسيا لجس نبض العلاقات بين الدول؛ دفئا وبرودة وتوترا وعداء. وعلى الذين ما يزالون ينظرون إلى هذه الوسائل كأداة تفتقر إلى الصدقية والجدية والعمق، أن يراجعوا رأيهم هذا في ظل الحركة الموّارة التي تحفل بها على وجه الخصوص وسائل التواصل الاجتماعي من "تويتر" إلى "يوتيوب" إلى "فيسبوك" في منطقة الخليج العربي، أو في القضايا التي تتحدث عن دور دول الخليج حيال قضايا المنطقة المختلفة، وفي القلب منها مسألة ما يسمى "الإسلام السياسي".
يتسم الرأي والسجال والنقاش السياسي الذي تفيض به وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية في منطقة الخليج على وجه الخصوص، بارتفاع سقف الصراحة والمباشرة والجرأة، وتسمية الأشياء بلا تحفظات، من دون التفات لكثير من الحواجز والموانع والاعتبارات التي تلتزمها الصحافة الورقية والإعلام المرئي. وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية تحفل بلا شك بالشائعات والهذر والركاكة اللغوية والضحالة الفكرية والشتائم والطائفية والعنصرية والذكورية، فإن هذا كله -على أهميته- لا يخفي الحاجة الماسّة لمتابعة تلك الوسائل ورصدها بدقة وصبر، للتعرف على الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دولنا ومجتمعاتنا. والكلام عن الصدقية والجدية يشمل الإعلام الورقي بالتأكيد؛ فكم من صحيفة ورقية بين ظهرانينا تفتقر إليهما، و"الصحافة الصفراء" تشترك في المضمون ذاته الذي يقال اليوم عن وسائل التواصل الاجتماعي التي تحفل بالإسفاف والاغتيال المعنوي للأشخاص وتغصّ بالسفاهة والجهل والإباحية والترويج للعنف والتخلف.
منذ ثلاث سنوات، كان من الصعب على المراقب والإعلامي إدراك حقيقة ما يجري في سورية، مثلا، من دون الرجوع إلى وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. واليوم، يصعب أيضا قراءة واستشراف حاضر ومستقبل العلاقات بين دولة قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين بالاكتفاء بمطالعة الصحف الورقية أو الإعلام المرئي؛ فثمة مساحات واسعة وتفاصيل مهمة وقصص وصور وفيديوهات تقبع هناك: في وسائل التواصل الاجتماعي التي تدار "المعركة الإعلامية " عبرها، وهي تكاد تكون المؤشر الأدق والأكثر حقيقة وكشفاً عن واقع الخلاف الخليجي-الخليجي ومآلاته. وقد كانت تلك الوسائل الأداة الأنجع والأصدق والأسرع في اختبار "اتفاق الرياض" الذي عقد منتصف نيسان (أبريل) الماضي في القاعدة الجوية في الرياض.
وكما في الإعلامَين الورقي والمرئي، صارت وسائل التواصل الاجتماعي تحفل بأسماء ونجوم لا حظّ كبيراً لها في الإعلامين المذكورين، لكنّ المتابع والراصد يعرف أنها "باروميتر" أساسيّ لجس نبض العلاقات بين دول الخليج، ومن دون متابعتها باستمرار -وعلى الأخص "تويتر" الذي يحظى بشعبية أكبر في منطقة الخليج من "فيسبوك"- سيفقد ذاك المتابع والراصد جزءا مهماً من سرعة التقاط الرسائل ودقة التحليل، والوقوف على تفاصيل المشهد وخباياه وزواياه المختلفة.

التعليق