الاستثمار الجاد وأولويات التنمية

تم نشره في الأحد 1 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

د. غسان الطالب*

إن الفلسفة التي بني عليها عمل المصارف الإسلامية ومنحتها القوة والثقة لتصبح منافسا حقيقيا للمصارف القائمة، تفرض عليها عدم تقديم أي نوع من التمويل للمشاريع التي تخالف الشريعة الإسلامية أو إنتاج أي سلعة محرمة يمكن أن تلحق الضرر بالمجتمع، وعليه فإنها ملزمة بنهج السلوك الإسلامي، والمقصود هنا بالسلوك الالتزام بكل المعايير الأخلاقية التي وردت في الشريعة الإسلامية، وأقرها القرآن الكريم والسنة النبوية؛ مثل عدم الاحتكار واستغلال حاجيات الناس وضروريات المجتمع، ونهى عن التبذير والإسراف وعدم حجب الزكاة التي هي بمثابة الضريبة الشرعية وما شابه ذلك.
وهنا تتجلى القيم الأخلاقية في الاقتصاد الإسلامي والتي تنعكس إيجابا على المجتمع أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا، وعليه، فإن أي نشاط استثماري للمصارف الإسلامية يجب أن يرتبط بالقيم الشرعية والأخلاقية مثل تحقيق مبدأ العدالة والصدق والأمانة والابتعاد عن كل ما هو مضر وذو أثر سلبي على المجتمع، بمعنى أي مشروع يتقدم بطلب تمويل من المصرف الإسلامي يُنظر لطلبه ضمن هذه الضوابط والمعايير قبل النظر إلى حجم العائد المتوقع الذي يمكن أن يحققه من هذا المشروع، وبما أن المصارف الإسلامية هي مؤسسات مالية تؤدي دورا مهما في التنمية الاقتصادية من خلال قدرتها على توفير التمويل اللازم الذي يساعد على تنفيذها، فإنها (أي المصارف) تنظر لأي مشروع اقتصادي من زاويتين؛ الأولى وهي الأهمية الاقتصادية لهذا المشروع، والثانية الأهمية الاجتماعية له، ونعني بالأهمية الاقتصادية العائد الاقتصادي الذي يمكن أن يتحقق ضمن الضوابط الشرعية في تنمية رأس المال؛ حيث من المعلوم أن العائد هنا غير مضمون ومبني على عنصر المخاطرة على العكس من البنوك التقليدية حيث العائد على رأس المال مضمون من خلال سعر الفائدة المعلوم مسبقا عند طلب التمويل، وحتى يسهم المشروع في تحقيق تنمية اقتصادية يجب أن يحقق قيمة مضافة إلى الدخل القومي، إضافة إلى كفاءة وحسن استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وهذا بالنتيجة يؤدي إلى المساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود.
أما الأهمية الاجتماعية فهي تتمثل في كون المصرف الإسلامي ليس مؤسسة هدفها تحقيق الربح فقط، بل تسعى إلى تقديم خدمات اجتماعية من شأنها أن تعزز المناخ الاجتماعي السليم وتعمق القيم الأخلاقية مثل الصدق والأمانة في المعاملات وفق الضوابط الأخلاقية والشرعية والتي توظف القوة الكامنة في الإنسان نحو العملية الإنتاجية وبالنتيجة تسهم في زيادة دخل الفرد وزيادة الدخل القومي ومن ثم تقليل معدل البطالة؛ تلك الآفة التي تؤدي إلى العديد من المشاكل الاجتماعية وما إلى ذلك.
واليوم أمام الحاجة الاقتصادية التي تبرز لتقديم التمويل لمشاريع تنموية تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، فإن مصارفنا الإسلامية مطالبة بتطوير معايير التمويل الموجه إلى الاستثمار الجاد بما يتلاءم مع أولويات التنمية الاقتصادية الملتزمة بالثوابت الأخلاقية والشرعية والمساهمة الفاعلة في دعم الدراسات والأبحاث العلمية التي تسهم في تعزيز تجربتها المصرفية وتطويرها، خصوصا بعد أن بدا لنا واضحا الاهتمام العالمي بالمصرفية الإسلامية ووسائل مواجهتها للأزمة المالية العالمية. وفي هذا السياق، فإننا نرى أن النزاهة، والصدق، والشفافية من أهم الجوانب الأخلاقية في أعمال المصرفية الإسلامية، لذا فإننا نقترح ما يلي:
- تقديم الدعم والاهتمام المناسب للبحث العلمي والدراسات التي من شأنها تطوير معايير التمويل الإسلامي سواء الاقتصادية أو الأخلاقية بما يخدم الرؤية التنموية للمصارف الإسلامية ورسالتها.
- تأكيد وجود نظام حوكمة مناسب يتلاءم مع التقدم العلمي والتكنولوجي وينسجم كذلك مع التطور والانتشار السريع للصناعة المصرفية الإسلامية ويضمن وضع استراتيجية واضحة له.
- إيجاد برامج تدريبية متخصصة في السلوك الأخلاقي بين فترة وأخرى والمتعلقة بطبيعة المصرف الإسلامي لأصحاب الوظائف ذات المخاطر المرتفعة.
- عدم اعتبار ربحية المصرف الإسلامي تقاس فقط على أساس العائد المالي، بل يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار العائد الاقتصادي والاجتماعي المتحقق من عمل المصرف.
- تشخيص الممارسات الخاطئة في عمل المصرف لتجنبها تحقيقا لمبدأ الشفافية والأمانة في أدائه ووضع البدائل لها.
- تأكيد مبدأ الرقابة والتقييم الذاتي بشكل دائم ومراجعة المصرف لسلوكه وأعماله بنفسه ضمن برنامج يوضع لهذا الغرض وبما ينسجم مع المعايير الاقتصادية والأخلاقية المعنية بذلك.
- تقديم الحوافز والمكافآت للعاملين لضمان جودة أدائهم وتعميق انتمائهم للمصرف. وبهذا يكون المصرف الإسلامي قد أدى رسالته الأخلاقية والاجتماعية وحقق النجاح المطلوب.

* خبير في التمويل الإسلامي

التعليق