انتخابات البرلمان الأوروبي.. خطوة على طريق استعادة أوروبا

تم نشره في الجمعة 6 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً
  • إحدى جلسات البرلمان الأوروبي بمقره في لوكسمبرغ - (أرشيفية)

خافيير سولانا*

مدريد- كشفت انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت في الأيام الأخيرة عن مدى شعور الناخبين بالإحباط والاستياء وافتقارهم إلى الثقة في كل من الاتحاد الأوروبي وحكوماتهم الوطنية على حد سواء. والآن، تواجه مؤسسات الاتحاد الأوروبي التشريع الذي نال قدراً متزايداً من السخط، في حين أن من المحتم أن يخلف التشكك في أوروبا تأثيراً عميقاً على السياسات الوطنية. وإذا كان للاتحاد الأوروبي أن يحافظ على ولاء جماهير الناس له، فلا بد له من أن يصغي جيداً ويسارع إلى التحرك. وسيكون من الأهمية بمكان الآن وضع برنامج للأولويات الاستراتيجية.
لا شك أن الاقتصاد لا بد أن يأتي أولاً. صحيح أن قدراً كبيراً من التقدم تحقق على مسار أدوات التكامل الجديدة، مثل آلية الاستقرار الأوروبي والاتحاد المصرفي، ولكن الطريق ما يزال طويلا.
يتعين على المفوضية الأوروبية أن تعمل بجرأة على تحفيز النمو الاقتصادي وتشغيل العمالة، حتى يتسنى لبلدان جنوب أوروبا التوفيق بين أهداف خفض العجز والدين والسياسات الداعمة للنمو. وفي نهاية المطاف، فإن السياسات الداعمة للنمو ستكون وحدها القادرة على السماح بالاستدامة المالية الطويلة الأجل. ويتعين على المفوضية أيضاً أن تطلق سياسات سوق العمل النشطة الكفيلة بالحد من البطالة، وخاصة بين الشباب. والواقع أن تعافي الدينامية والطلب والاستهلاك هي أمور تتوقف كلها على نجاح المفوضية.
لا توجد سياسة داعمة للنمو على القدر نفسه من أهمية تحفيز البحث والتطوير في القطاعين العام والخاص. ولذلك، ينبغي للاتحاد الأوروبي على سبيل المثال أن يسمح بإزالة الإنفاق على البحث والتطوير (وبعض الإنفاق على سياسات سوق العمل النشطة التي تستهدف الشباب) من حسابات العجز لدى البلدان الأعضاء. وقد تم تطبيق هذا المبدأ لمساعدة القطاع المالي؛ وهو ليس أقل ملاءمة للاستثمار. وعلى جانب الإيرادات، تحتاج أوروبا إلى حد أدنى من التجانس الضريبي، على الأقل من حيث الضرائب المفروضة على الشركات، وذلك من أجل تجنب السباق نحو القاع.
الآن بعد أن مر أسوأ ما في أزمة اليورو، فإن من المهم للغاية أيضاً إصلاح أوجه القصور في التصميم المؤسسي للاتحاد النقدي. كما أن التقدم الذي تم إحرازه بشأن الاتحاد المصرفي مهم أيضا، لكن الحاجة تظل قائمة إلى عنصرين أساسيين مع ذلك: أولاً إعادة تأهيل حقيقية للنظام المصرفي الأوروبي لضمان استئناف تدفق الائتمان إلى مختلف أنحاء منطقة اليورو، وفي الوقت ذاته تجنب الانكماش؛ وثانياً إقرار تبادلية الديون لحماية البلدان المعرضة للخطر من تقلبات السوق. ويشكل الدور الذي يلعبه البنك المركزي الأوروبي ضرورة أساسية لتوفير هذين العنصرين، فضلاً عن أهميته في مواصلة تعزيز النمو (سواء من خلال السياسة النقدية التوسعية أو تمكين البلدان التي ما يزال تمويلها يعتمد على الضمانات الضمنية التي يقدمها البنك المركزي الأوروبي من الوصول إلى الأسواق).
لكن أوروبا لا تحتاج إلى علاج الاقتصاد فحسب، فالعالم لن يتوقف وينتظر. والفرصة السانحة الآن لإعادة النظر في السياسة الخارجية الأوروبية واضحة. وهنا لا بد أن تركز رؤية أوروبا على التحديات التي تواجه المناطق الثلاث المجاورة لها.
تُعَد الأزمة في أوكرانيا القضية الأكثر بروزاً في الجيرة الشرقية لأوروبا. ففي أعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني، فضلاً عن الممارسات الروسية الاسترجاعية في شرق أوكرانيا، بات من الضروري إعادة النظر في العلاقات مع الكرملين تحت قيادة بوتن. والحق أن القرب الجغرافي والروابط التاريخية والاعتماد على الطاقة، كل هذا يجعل من روسيا شريكاً أساسياً في مستقبل أوروبا، ولكن السياسة الخارجية التي ينتهجها بوتن تشكل تحدياً مباشراً لأمن أوروبا ووحدتها.
في الوقت ذاته، ما تزال جيرة أوروبا الجنوبية منغمسة في عملية غير مؤكدة على الإطلاق من التحول الاجتماعي السياسي. ففي بعض الحالات -كما في تونس- كانت العملية ناجحة؛ وفي أماكن أخرى مثل سورية، كان مسار الأحداث غير مثبطاً على الأقل.
إلى حد ما، يبدو أن أوروبا تخلت عن سواحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبية، التي أصبحت تعوض عن هذا النقص جزئياً بتدفقات المساعدات الاقتصادية من بلدان الخليج. وبالنسبة للعالم العربي الذي كان في السابق كارهاً لإظهار هذا التضامن -وأستشهد هنا بحالة فلسطين حيث تدعم المساعدات الأوروبية الخدمات الأساسية- فإن هذا يشكل تطوراً حميداً وموضع ترحيب. ورغم ذلك، فسوف يكون من الصعب أن تتعافى منطقة شمال أفريقيا من دون مشاركة أكبر من جانب الاتحاد الأوروبي.
أما الجيرة الأوروبية الثالثة -والأكثر صعوبة من حيث القدرة على إدارتها- فتتسم بالاعتماد المتبادل، وهو ما يجعل العالم بأسره جواراً أوروبياً. وهنا سنجد أن العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وليس الجغرافيا، هي التي ترسم الحدود متواصلة التغير لهذا الجوار، الذي يضم أكثر حلفاء أوروبا أهمية، من الولايات المتحدة إلى الصين إلى غيرها من البلدان الناشئة والكيانات الفاعلة من غير الدول. وتتطلب إدارة مثل هذه الجيرة موقفاً واضحاً مؤيداً للإدارة العالمية والتعددية الفعلية على المستويات كافة.
بالنسبة لأوروبا، يرتبط الاعتماد المتبادل بأمن الطاقة بقوة. ويشكل إحراز التقدم نحو إنشاء اتحاد الطاقة أهمية بالغة، ولا بد أن يكون أحد الأهداف الرئيسية للمفوضية الجديدة. ولا بد أن تقوم سياسة الطاقة المشتركة على إقامة سوق موحدة والتخطيط الجماعي للاستثمار، في حين تشكل أيضاً من الموارد والمشتريات أكثر من أي طرف ثالث.
لا يفترض هذا التنظيم الحقيقي على مستوى الاتحاد الأوروبي بالكامل فقط -والذي يعتمد في الوقت الحاضر على حكومات متعددة نظراً لتصميم هيئة الاتحاد الأوروبي للتعاون بين الأجهزة القائمة على تنظيم الطاقة- بل ويفترض أيضاً المزيد من تطوير البنية الأساسية، بما في ذلك خطوط الكهرباء وأنابيب الغاز التي تربط بين البلدان الأعضاء. وسوف يتطلب هذا الأمر تنفيذاً أسرع لشبكة الطاقة عبر أوروبا.
علاوة على ذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يفكر في تحويل شراء الطاقة من أطراف ثالثة إلى عملية مركزية، كما اقترح رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك. وعلى أقل تقدير، هناك احتياج إلى قدر أعظم من الشفافية في إدارة مشتريات البلدان الفردية من أطراف ثالثة. وعلى سبيل المثال، تقوم عقود الشراء اليوم بين الشركات في البلدان الأعضاء المختلفة وشركة الغاز الروسية العملاقة المملوكة للدولة "غازبروم" على السرية.
في هذه العملية من التكامل في مجال الطاقة، يقدم الاتحاد المصرفي الدلائل حول كيفية تأمين المصالح المشتركة والحفاظ على التوازن بين المؤسسات الرئيسية للاتحاد الأوروبي -المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي. وينبغي لمثل هذه المخاوف أيضاً أن ترشد المفوضية الجديدة إلى تصميم سياسة مشتركة في إدارة الهجرة، سياسة تعمل ليس فقط على إخراس كارهي الأجانب، بل وتحرص أيضاً على تماسك منطقة شنجن الخالية من الحدود -والتي تُعَد واحدة من أعظم إنجازات أوروبا.
يتعين على مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن تعيد تنشيط نفسها وتسترد دعم مواطني أوروبا لها. ولا بد أن تُظهِر كفاءتها وقدرتها على الإبداع وتنشيط القارة من خلال الدينامية المتجددة والتحفيز. ويشكل تحديد الأولويات الصحيحة خطوة أولى بالغة الأهمية على هذا المسار.



*كان مفوض الاتحاد الأوروبي الأعلى للسياسات الخارجية والأمنية، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ووزير خارجية إسبانيا. وهو الآن رئيس مركز "إيسادي" للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية، وزميل رفيع في معهد بروكينغز.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق