ما الذي تغير اليوم: "الدراسات الاستراتيجية" يحلل أزمة العنف في معان العام 2003

تم نشره في الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

عمان - الغد- هل ثمة ما يميز معان عن بقية مناطق الأردن، وهل يمكن أن نعزو الأحداث المتلاحقة التي تكررت في المدينة على مدى السنوات الماضية إلى “خصوصية” تتميز بها المدينة عن غيرها من المدن الأردنية.
تقرير “معان: أزمة مفتوحة”، الذي وضعه مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الأردنية العام 2003، سعى للاقتراب من الإجابة النهائية عن هذا التساؤل. ولهذه الغاية، فقد تم توظيف منهج متعدد الحقول للإحاطة بجميع جوانب المشكلة قيد الدراسة والتي يتداخل فيها العامل الأمني السياسي مع العامل الاقتصادي والاجتماعي من ناحية، ومع السلوك القيمي من ناحية أخرى.
استخلص التقرير أن ظاهرة الاحتجاج العنيف في معان ليست نتيجة عامل واحد فحسب، كما ساد الانطباع، وخلصت إليه بعض الدراسات السابقة، بل هي ناجمة عن جملة من العوامل المتداخلة.
فعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، أظهر التقرير أن هناك بعض المؤشرات التي يمكن أن تميز المدينة عن غيرها، إلا أن عناصر التميز تلك لا يمكن أن تفسر إلا جانبا محدودا من الأحداث التي وقعت في المدينة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أظهرت التركيبة العائلية والعشائرية وضعا فريدا في معان، يمكن أن يفسر جانبا من ردود الفعل الجمعية، إذ تم استعراض سياق التحولات الاجتماعية بمنظور تاريخي، وتم ربط ذلك مع منظومة القيم السائدة في أوساط المدينة قياسا إلى بقية أجزاء المملكة.
كذلك، فإن النظر إلى معان كمشكلة أمنية مجردة عن أبعادها الأخرى، لم يساهم في إيجاد حلول جذرية تخفف من حدة الأحداث.
ولتجاوز تكرار الأحداث، سواء في معان أو في أنحاء أخرى من المملكة، فإن التعامل مع معان يأتي ضمن منظار شمولي، يرى المشكلة بأبعادها كافة، إذ تبين أن سوء إدارة الأزمات أحيانا يفاقم بعض المشاكل ويعمقها.
ومع أن معان مدينة حظيت وما تزال تحظى بالاهتمام الرسمي، إلا أن تجارب فاشلة، مثل تجربة مصنع الزجاج، قد ألحقت الأذى بثقة أهالي المدينة بالحكومة، التي كانت تسعى لتحسين الأوضاع الاقتصادية، فجاءت نتيجة ذلك الجهد عكسية. وعلى النقيض من ذلك، فإن تجربة جامعة الحسين الحديثة تمثل بوادر قصة نجاح. 
 وتوصل التقرير إلى أن العلاقة بين أهالي المدينة والدولة لا يمكن وصفها بأنها صحية، إذ تبين أن هناك خلافا حول من يمثل معان لدى أجهزة الدولة، فهل هي النخب المحلية، مثل اللجنة الشعبية في المدينة، أم أنها الزعامات التقليدية التي تسكن العاصمة عمان، والتي كانت تاريخيا هي حلقة الوصل بين معان والحكومة، والآن، هل يتغير الوضع بعد انتخاب أهالي معان لممثليهم في مجلس النواب، بحيث تصبح العلاقة أكثر وضوحا وشفافية.
وبشكل عام فإن من الصعب فصل معان عن السياق الوطني، إذ تبقى التنمية الاقتصادية والسياسية مطلبا عاما، ودون إحداث تلك التنمية يبقى الوضع مرشحا لأن يشهد أحداثا جديدة، قد تأخذ أشكالا متعددة، من هنا جاء عنوان التقرير “معان: أزمة مفتوحة”.
ازداد الاهتمام بظاهرة الاحتجاج العنيف في مدينة معان، إثر أحداث تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، من قبل مؤسسات بحثية أكاديمية وصحفية محلية ودولية. ومن الجهات التي تناولت الأحداث وأوضاع المدينة بالدراسة كان تقرير مجموعة الأزمات العالمية، الذي جاء وصفيا أكثر مما هو تحليلي، وبدأ بمعالجة موضوع الأحداث، من حيث انتهت، ولم يضع أحداث معان في سياقها الاجتماعي والاقتصادي، كما لم يقارن المدينة مع بقية أنحاء المملكة، لتلمس مواطن الخصوصية في معان، إن وجدت.
 أما التقرير الآخر، فقد صدر عن جامعة الحسين، ويتعلق بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للأسر في محافظة معان، حيث قامت الجامعة بإجراء مسح، وإصدار بيانات تفصيلية مهمة تتعلق بالمدينة، فيما ترك الجانب التحليلي للمهتمين والباحثين. ويأتي هذا التقرير استكمالا للمحاولات السابقة لفهم طبيعة ما حدث في معان. 
أما التقرير الذي بين أيدينا، فهو يقدم تقييما وتحليلا لمختلف الجوانب ذات الصلة بالاندلاع المتكرر لأحداث العنف، التي شهدتها مدينة معان منذ العام 1989. وقسم إلى خمسة أجزاء.
وسعى التقرير للإجابة عن سؤال أساسي: “لماذا تتكرر أحداث العنف في معان بالذات”؟
ووفقاً لما توصل إليه الفريق الذي أعد التقرير، فإن النقاط الواردة أدناه تشكل مدخلاً للتعامل مع الواقع المعاني:
* إن تشكيل اللجنة الشعبية لمدينة معان يعدّ رداً إيجابياً على الأزمة والواقع المعاني. وإن عدم التعامل الجاد مع اللجنة من جانب الدولة هو تأخير لا مبرر له، خاصة أن معظم مطالب اللجنة الشعبية تعدّ منطقية ومعقولة.
* العمل على تعزيز التعامل مع النخب المعانية القريبة من قاطني المدينة، نظراً لاقترابهم من هموم المواطنين، وعدم تقريب أطراف من أجهزة الدولة على حساب أطراف أخرى حفاظاً على حيادية الدولة.
* لا بد من تحسين أداء مؤسسات الحكم المحلي، الممثلة للدولة المركزية في المدينة، لتجاوز أزمة الثقة القائمة، حتى لو استدعى ذلك إجراء بعض التغييرات، أسوة بجهاز الأمن العام.
* إن فرض القانون والنظام على الجميع في المدينة، وإيقاف مسلسل الإفراجات بالذات عن المتهمين بقضايا جرمية، إرضاءً لبعض الوجهاء، من شأنه المساعدة في تجاوز أزمة الثقة، وتحسين صورة الأمن العام لدى أهل المدينة.
* لا يمكن عزل الأزمة المعانية عن السياق الوطني، فالتنمية السياسية والاقتصادية في المملكة من شأنها أن تنعكس على الواقع المعاني إيجابياً.
* على الصعيد الاقتصادي، لا يختلف الوضع في معان كثيراً عن أماكن ومحافظات أخرى في المملكة، وهو يقتضي ضرورة تطوير البنية التحتية لتحسين الوضع الاقتصادي بشكل عام، وعلى الصعيد الوطني، والحديث عن مشاريع خاصة بمعان يتعارض مع النهج الاقتصادي العام، الذي يفترض توزيع حوافز موحدة على مناطق المملكة المختلفة، ضمن قانون تشجيع الاستثمار، وما يجب التركيز عليه في هذا السياق هو إبراز المزايا الخاصة بالمدينة أو المحافظة، التي يمكن استغلالها لتنفيذ استثمارات جديدة، تدار بأساليب عصرية تفادياً لتكرار تجربة مصنع الزجاج غير الناجحة.
* من الواضح أن طاقات شباب معان، الذين يشكلون غالبية سكان المدينة، بحاجة إلى قنوات للتعبير عنها عبر هيئات ونوادٍ، أو جمعيات أهلية، أو من خلال مرافق جامعة الحسين.
وخلص تقرير “الدراسات الاستراتيجية” الى أن هذه الأفكار تشكل في مجملها، إن طُبقت، أرضية خصبة للعمل المشترك بين ممثلين عن أجهزة الدولة المختلفة والنخب المعانية لوضع نهاية لما عرف بالأزمة المعانية.

التعليق