عمى اليسار

تم نشره في الأربعاء 18 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً


بقلم: بن كاسبيت -معاريف


أوري مسغاف هو صحفي لامع، أصيل، يبعث على الإلهام. مدونته هي مادة إلزامية برأيي لكل من يريد أن يحك فكره قليلا. مسغاف هو أيضا صديق عزيز وشريك في الطريق الرياضية الحمراء. ظهر يوم الأحد رفع الى موقع "هآرتس" مقالا تحت عنوان "اصمتوا فهم يثرثرون: اليسار، الاعلام والجمهور الغفير يستسلمون مرة اخرى لنتنياهو". قرأت، استمتعت، اتفقت تقريبا مع كل ما كُتب. ما كان يمكنني أن اكتب هذا على نحو أفضل. فمسغاف هو حقا كاتب متفوق. وصفه للاستغلال الساخر من جانب رئيس الوزراء للأزمة، الاصطفاف التلقائي للجمهور ووسائل الاعلام، الاحابيل التي يطلقها نتنياهو بفنيه، نجاحه في استخدام أزمة الاختطاف/ العملية لصرف الانتباه الإعلامي عن قصورات سلوكه الذي لا ينتهي هو وعقيلته، من أثاث الحديقة الذي نقل من القدس الى قيساريا، الى غيره وغيره.
  في موقعين اختلفت مع مسغاف. ظاهرا، موقعين صغيرين، في الهامش. في الواقع، هما أكثر جوهرية بكثير مما يخيل. الجملة الاولى التي اثارت عندي العجب كانت التالية: "في توقيت كامل قبيل احياء ثماني سنوات على الحرب النكراء السابقة، التي انطلقت اليها اسرائيل بالطبل والرقص في أعقاب عملية اختطاف وحيدة".
ويقصد مسغاف حرب لبنان الثانية. حرب نكراء، على حد قوله. فكلها "عملية وحيدة"، ماذا حصل؟ من أجل الحرب؟ نهج مسغاف هذا يتجاهل الحقائق والواقع. فهذه الحرب النكراء هي حرب مع افضل نتائج لاسرائيل منذ الأزل. اكثر من حرب الايام الستة (في نظرة الى الوراء أوقعت علينا مصيبة الاحتلال)، أكثر من السويس، اكثر من حرب لبنان الاولى، أكثر من كل باقي المغامرات. هذه الـ"كلها عملية وحيدة" جاءت بعد سلسلة من عشرات كاملة نكل فيها حزب الله بسكان الشمال، قصفهم حين راق له، نمو أجيال من الاولاد في كريات شمونا اعتادوا على التبول الليلي حتى سن متأخرة والنوم في الملاجئ. هذه "العملية الوحيدة" كانت غزو مخطط جيدا الى اراضي اسرائيل السيادية، التي انسحبت حتى آخر سنتيمتر الى الخط الدولي، قتل جنود، اختطاف جنود، وقصف بلدات مدنية بالكاتيوشا على طول الجبهة. على هذا، حسب مسغاف، كيف كان ينبغي لنا أن نرد؟ ربما مثلما عودنا أناس مثل ايهود باراك واريئيل شارون، الجنرالين ذوي الأوسمة والمجد ممن وعدونا من أنه اذا ما وعندما يتجرأ حزب الله فعندها "سنعرف ما نفعل"، ولم يفعلوا شيئا.
جاء واحد، ايهود اولمرت، خدم في "بمحنيه" بالإجمال، وقرر بأن السيادة الاسرائيلية ليست مداسا وأن الردع الاسرائيلي يحتاج الى ترميم عاجل، قال وفعل. دون أن يحسب حسابات ودون أن يتره ترهات، ضرب حزب الله بكل القوة. نصرالله قال بعد ذلك، بصوته، إنه لو عرف أن هذا سيكون رد اسرائيل لما كان انطلق لفعل الاختطاف منذ البداية. الآن نصرالله بات يعرف. ولهذا السبب، فمنذئذ وحتى اليوم، هدوء تام على الحدود اللبنانية. شيء كهذا لم يسبق أن كان منذ قيام الدولة. منذ ثماني سنوات.
 نصرالله ما يزال في الخندق. الجيش اللبناني على الجدار، زائد قوة كبيرة من المراقبين الدوليين. حزب الله فقد معاقله التي سيطرت على الجدار وجعلت جنود الجيش الاسرائيلي قطيعا من الأوز في ميدان اطلاق النار. سكان الشمال لم يعرفوا مثل هذه السكينة منذ ان كان الشمال هنا. والاكواخ السياحية تزدهر. والعقارات تحتفل. كل هذا، يا مسغاف، بفضل "الحرب النكراء" اياها، التي اديرت بشكل سيئ وكشفت ضعف الجيش الاسرائيلي وقيادته القتالية، ولكنها كانت عادلة لا مثيل لها وجلبت لاسرائيل ردا لم يكن لها ابدا. احتفال الاختطافات توقف. السيادة الاسرائيلية قالت كلمتها.
 الجملة الثانية لمسغاف التي لم اتفق معها كانت التالية: "ذات السلطة الفلسطينية التي توقفت المفاوضات معها"، كتب مسغاف، حول إلقاء المسؤولية من نتنياهو على ابو مازن في سياق الاختطاف. وبالفعل، هذا صحيح. اسرائيل أوقفت المفاوضات مع السلطة عندما اقيمت حكومة المصالحة. ولكن حصل هنا شيء ما من قبل ايضا. كان هنا واحد يدعى جون كيري، توصل الى ورقة تفاهمات متفق عليها، وفيها مبادئ للتسوية بين الطرفين. عرضت هذه الورقة على نتنياهو، الذي أعرب عن موافقته للتوقيع عليها (مع التحفظ). نتنياهو! ولكن عندها جاء دور ابو مازن، وهو لم يوافق. هذه الحقائق البسيطة لا تنجح في التسلل الى وعي رجال اليسار مثل مسغاف. فهم مقتنعون بانه اذا كان احد ما سيأتي وسيحول كل سكان اسرائيل من مستوطنين ورجال يمين الى مسغافين منشودين مثلهم، ففي الغداة ستوقع التسوية الدائمة. وبالفعل، يؤسفني. هذا لن يحصل. لا تسوية دائمة ولا بطيخ. وبالتأكيد ليس مع حماس، او مع السلفيين، او مع أي احد ينشأ وينبت بينهم.
 أنا من اولئك الذين يؤيدون بكل قلبهم وعقلهم اتفاق جنيف، مثلا. القدس مستعد لأن أقسمها الى أحياء عربية ويهودية. أنا حتى مستعد لأن أعيد عددا محدودا من اللاجئين (لنفترض 20 ألفا) على اساس انساني، كبادرة خاصة. مشكلتي الوحيدة هي أن أمامي لا يوجد احد مستعد لأن يوقع على هذا الاتفاق باسم الشعب الفلسطيني. لا يوجد احد قادر على أن يتخلى عن عودة مئات آلاف اللاجئين الى بيوتهم. لا يوجد أحد مستعد لأن يخاطر بنفسه كي يروج لأبناء شعبه بأن اليهود ليسوا أبناء كلاب وخنازير وانه يجب الكف عن التحريض ضدهم. لا يوجد احد مستعد لأن يشرح لهم بأن الرقص وتوزيع الحلوى في الشارع حين يقتل اليهود هو أمر ليس جميلا. او بتعبير آخر، لا يوجد للفلسطينيين اوري مسغافيين. لديهم، كلهم نفتالي بينيتيين (معاكسين بالطبع)، وهذا في أفضل الأحوال. الفارق بيني وبين صديقي اوري مسغاف هو أني لا احاول تلوين محيطنا بالوردي. فهو ليس ورديا، محيطنا. هو أحمر من الدم.
 هذه القصة حزينة، لان اليسار في معظمه يفكر مثل مسغاف. انظروا الى زهافا غلئون. هي ايضا تفكر بأن حرب لبنان الثانية كانت حربا نكراء. ما تفكر به متأكدة منه. هي ايضا مقتنعة بأننا فقط لو تنازلنا مزيدا بعض الشيء، لكانت هنا على الفور جنة عدن مزدهرة ورجال الجهاد الإسلامي سيقضون السبت لدى زمبيش في كريات أربع. في طريقه الى هذه المطارح الهاذية، فقد اليسار ليس فقط البوصلة، بل والشعب ايضا. بالضبط في هذه النقطة تحول اليسار من معسكر كبير وعظيم في اسرائيل الى مجموعة صغيرة تتضاءل وتثير العجب. وهذه خسارة فظيعة. إذ في النهاية لا يوجد سبيل آخر للشعبين الحبيسين هنا الواحد داخل الآخر غير التعايش معا.

التعليق