محمد برهومة

عراق أصغر

تم نشره في الخميس 19 حزيران / يونيو 2014. 11:02 مـساءً

قبل أيام، نشرت مجلتا "فورين أفيرز" و"فورين بوليسي" الأميركيتين، قراءتين عميقتين تستشرفان آفاق الوضع العراقي ما بعد خروج الموصل عن سيطرة الحكومة المركزية في العراق. المجلة الأولى نشرت تحليلها تحت عنوان "أكثر من الموصل". فيما جاء تحليل الثانية تحت عنوان "انتقام الأكراد".
المجلتان تناولتا احتمالات تقسيم العراق وتصغيره؛ فبعد هجوم "داعش" الأخير على الموصل، احتلت القوات الكردية معظم المناطق التي كانت تتنازع عليها مع السنّة، ما حرم رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، من التأثير الضعيف الذي كان يحظى به لدى الساسة العرب السنّة. وإذا أراد المالكي أن يرسي شراكة بديلة مع الأكراد، فسيجد أنهم أمّنوا بأنفسهم فعلاً الجزء الأكبر مما يريدونه. أما ما تبقى لدى المالكي كي يقدّمه، فلا يتعدى الدفعات الأكثر سخاء إلى القوات المسلحة الكردية من خزائن الحكومة المركزية، وتسويات مؤلمة بشأن استقلال قطاع النفط الكردي. وبدلاً من ذلك، قد يرى المالكي أن عراقاً أصغر يهيمن عليه الشيعة يمنحه الفرصة الأفضل للبقاء في السلطة، بالنظر إلى أنه يحظى بأغلبية برلمانية واضحة في المناطق الشيعية. بيد أن أي خطوة باتجاه التقسيم الرسمي للبلاد، ستواجَه بمقاومة في المنطقة. فلا يبدو أن تركيا، برغم دعمها للأكراد العراقيين، مستعدة للاعتراف بكردستان كاملة الاستقلال. وحتى إيران، وإن بدت متحمسة لظهور عراق أصغر يهيمن عليه الشيعة بما يجعل الهيمنة عليه أسهل، قد لا يسرها أن ينقطع سبيل وصولها إلى سورية بفعل كيان سياسي يغلب عليه السنّة في غرب العراق. وتوضح "فورين أفيرز" أنه "من واقع استجابة المالكي للأزمة حتى الآن، يبدو أنه يريد مواصلة تركيز السلطة في يده بدلاً من تقاسمها على نطاق واسع".
ولفتت "فورين بوليسي" النظر إلى أن استجابة بغداد المضطربة للهجوم الذي تشنه "داعش" تفتح الباب أمام توسيع الإقليم الكردي رقعته الجغرافية، وازدياد نفوذه على الحكومة المركزية، وازدياد إمكانية تحوله إلى مصدّر كبير للطاقة على نحو مستقل عن الحكومة المركزية. القوات الكردية استولت مؤخرا على كركوك، وهي مدينة مهمة تتوسط الإقليمين العربي والكردي العراقيين، وتشكل قلب صناعة النفط في شمال البلاد. ويسلط احتلال الأكراد في غضون ساعات للمدينة -التي ظلت مثار نزاع بين العرب والأكراد على مدى قرون من الزمان، ولا سيما إبان فترة حكم صدام حسين للعراق- الضوء على هجوم "داعش"، وإلى أي مدى يعيد رسم خريطة العراق بشكل دراماتيكي. وتنقل المجلة عن مارينا أوتاواي، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في "مركز ويلسون" الفكري في واشنطن، قولها: "ربما تكون هذه نهاية العراق بالصورة التي كان عليها. وتبدو احتمالات عودة العراق إلى الدولة المركزية التي كان رئيس الوزراء نوري المالكي يحاول استعادتها ضئيلة في هذه المرحلة".
وبحسب تقرير "فورين بوليسي"، فإن تركيا، وهي السوق الرئيسة للنفط الكردي، متلهفة على ضمان مصادر جديدة للطاقة، وفي الوقت نفسه متحمسة لتشجيع وجود جيب مستقر في منطقة مضطربة على حدودها. ونظرا لأن متمردي "داعش" لم يشنوا حتى الآن أي هجمات داخل المناطق الخاضعة للحكم الكردي، فإن هذا مدعاة لارتياح المسؤولين في كل من أربيل وأنقرة. وتقول أوتاواي في هذا الصدد: "الاقتصاد يقف بالكلية في جانب استقلال الصادرات التركية، والسياسة آخذة في التحول أيضا".
ما تقدم يقول: إن رفض نوري المالكي معالجة السياسات الإقصائية والتهميشية بحق السنة والأكراد، سيعني أنه لا مانع لديه، في سبيل البقاء في السلطة، من تصغير العراق وتقسيمه على أساس طائفي وإثني. وهي وصفة مثالية لعنف أكبر وحرب أهلية وطائفية طويلة، لاسيما إذا صحّ سيناريو أن واشنطن قد لا تسعى جدياً لمنع هذا التصغير.

التعليق