غارينشا... من بهجة شعب الى صفحات التاريخ المنسية

تم نشره في الجمعة 20 حزيران / يونيو 2014. 05:50 مـساءً - آخر تعديل في الجمعة 20 حزيران / يونيو 2014. 05:51 مـساءً
  • اللاعب البرازيلي الأسطورة غارينشا - ( أرشيفية)

باو غراندي (البرازيل) -على اي كوكب ولد غارينشا؟ على كوكب صغير اسمه باو غراندي"، هذا ما كتب على لوحة صغيرة الى جانب الملعب الذي بدأ فيه الاسطورة البرازيلي المنسي غارينشا مسيرته الكروية.

يقع الحي التابع لبلدية ماغيه بين ريو دي جانيرو ومعسكر المنتخب البرازيلي لمونديال 2014 في تيريسوبوليس.

بعد الخروج من الاوتوستراد السريع، تتجه بك الطريق عبر مدينة صعودا نحو غابات مورقة وصولا الى باو غراندي.

انه مجتمع متواضع وسيلاحظ المرء فقر المنطقة خصوصا اذا كان قادما من تيريسوبوليس "الغنية"، لكن هنا ولد غارينشا وهنا دفن.

كان غارينشا، واسمه الكامل مانويل فرانشيسكو دوس سانتوس، الزميل المخضرم لبيليه الشاب في منتخب البرازيل الذي توج باللقب العالمي الاول عام 1958 في السويد. وفي ظل اصابة بيلية، كان غارينشا النجم المطلق في تشكيلة 1962 التي ابقت اللقب برازيليا.

ورغم التشوهات الخلقية التي ولد بها والتي تعيق الانسان حتى على المشي، تحدى غارينشا الاعاقة بمراوغة جعلت منه اشهر جناح ايمن في تاريخ كرة القدم، وابرع مراوغ عرفته الميادين الخضراء حتى الان، وقيل عنه "انه بالنسبة لكرة القدم، كبيكاسو للفن".

كان غارينشا مع التشكيلة التي خاضت نهائيات 1966 ايضا، وهو اسطورة في نادي بوتافوغو والملعب الوطني الذي تتواجه فيه البرازيل مع الكاميرون الاثنين المقبل في الجولة الثالثة الاخيرة لمنافسات المجموعة الاولى من مونديال 2014، يحمل اسمه وليس اسم بيليه.

بسبب التشوه الخلقي المتمثل باعوجاج في الركبتين نحو الخارج واعوجاج ايضا في العمود الفقري وحتى الحوض كان مائلا بوضوح نحو الشمال. اطلق على غارينشا لقب "الملاك صاحب الساقين الملتويين".

لكن على شاهد ضريحه الذي يصعب على المرء رؤيته الا اذا كان يعرف بوجوده هناك في مقبرة "رايز دا سيرا"، على جانب الطريق القادم من باو غراندي، هناك جملة "بهجة شعب".

وفي ما كان بيليه في قمة عطائه خلال اعوام السبعينات، فارق غارينشا الحياة عام 1983 عن 49 عاما بعد ادمانه على الكحول ومعاناته المادية.

"في البرازيل، الناس الذين كانوا مهمين في السابق سرعان ما يصبحون طي النسيان"، هذا ما قالته لوكالة فرانس برس حفيدة غارينشا، الكسندرا دوس سانتوس البالغة من العمر 41 عاما.

واضافت "بيليه هو الملك لكن ليس من الضروري ان يكون هناك واحد فقط. بالامكان ان يكون هناك اثنان. الاموال لم تكن تعني لجدي كثيرا. كان رجل الشعب".

المنزل الذي عاش فيه غارينشا كفتى يقف هناك متمايزا عن محيطه. جدرانه مطلية باللون الاصفر وفي داخله حانة صغيرة اسمها "غارينشينيا" تيمنا باللاعب الاسطورة.

الكسندرا تعيش هناك، على مقربة من الملعب الذي لعب فيه غارينشا والمعمل الذي عمل فيه. على باو غراندي ان تكون فخورة الى الابد بابنها الاسطوري، لكن الكسندرا تخالفنا الرأي.

غارينشا ترك خلفه 14 ولدا من علاقات مختلفة ودون اي سند مادي، ما يجعل المرء يتفهم عدم اهتمام ابناء البلدة باي حدث او شيء يقام بهدف تكريمه، والحانة المقامة داخل منزله ليست تكريما له من قبل من عاش حوله، بل تقدمة من برنامج تلفزيوني واقعي.

"حصل غارينشا على المنزل العام 1958 كتقدمة من المعمل المحلي كجائزة له نتيجة احرازه كأس العالم لكنهم (اصحاب المعمل) عادوا لاحقا للمطالبة به قبل ان نتوصل في النهاية الى اتفاق"، هذا ما شرحته الكسندرا، مضيفة "والبرنامج التلفزيوني دفع ثمن الحانة وما فيها، لكن ذلك ليس كافيا. انا اكافح من اجل تدبر اموري".

والكسندرا مستعدة حتى للتخلي عن الحانة لكنها تطالب بمبلغ 650 الف ريال (292 الف دولار) كثمن لها!.

كان غارينشا "خجولا وغريب الاطوار"، بحسب حفيدته. وقع عقودا على ورقة بيضاء وانتهى به الامر بان يكون افقر لاعبي بوتافوغو.

قاتلت عائلته جاهدا لكي تحافظ على ذكراه محليا، وهناك تمثال تذكاري صغير لغارينشا بالقرب من محطة للحافلات تم نصبه العام 1992، وعلى جدران المركز الرياضي البلدي هناك صورة له بالقميص الاصفر للمنتخب البرازيلي.

في هذا المركز الرياضي تعمل ابنته روزانجيلا التي ترى بهذه الجدران تذكيرا يوميا بشخص لم تكن انه والدها الا بعد وفاته.

"عندما كنت صغيرة، الناس قالوا باني اشبه غارينشا. على اوراقي الثبوتية لا والد لي"، هذا ما قالته روزانجيلا، مضيفة "كنت متأكدة نوعا ما بانه هو (والدي) لكننا قمنا بفحص الحمض النووي بعد 15 عاما من وفاته. والان اصبحت متأكدة. كان افضل بكثير من نيمار (نجم المنتخب الحالي). لو كان يلعب الان، فالبرازيل ستفوز بكأس العالم بشكل مؤكد".

غارينشا الذي ولد في 28 تشرين الاول (أكتوبر) 1933، هو سابع اخوتة الاثنين والعشرين، من اب مدمن على الكحول.

كان غارينشا الطفل الفقير ذو الجسم النحيف المشوه، وازاء هذا الوضع كان اهله يدعون الله ليل نهار حتى يتمكن ابنهم من الوقوف على قدميه وتطلب الامر تدخل الجراحين، حتى تمكن على الاقل من المشي ولو بطريقة غير سليمة.

لكن الطفل مانويل خلق المعجزة، وبعد ان كان اهله يحلمون برؤيته يمشي على قدميه، اصبح يداعب الكرة ببراعة الكبار.

فبرغم ما اصابته من تشوهات حرمته حتى من الجري بطريقة عادية، الا انه بهذا الجسم المليء بالعيوب صنع لنفسه مجدا، وتمكن من التغلب على الاعاقة بمراوغة واحدة، يعيدها في كل مرة عجز كل مدافعو العالم في مواجهتها، واستسلموا لها جميعا.

كان يدربه احد الاصدقاء، وفي احد ايام العام 1953، وهو في السادسة عشرة من عمره، وفي مباراة تدريبية لفريق بوتافوغو العريق، كان هناك نقص في عدد اللاعبين، فاقترح مدربه ان يشارك في المباراة التدريبية لسد الفراغ.

الا ان النجم الصاعد لم يصدق ان الفرصة اتيحت له، وعوض ان يسد الفراغ ويكمل عدد اللاعبين، راح في جهته اليمنى المفضلة يبدع، وكان اول ضحاياه، المدافع المشهور انذاك الدولي نيلتون سانتوس الذي كان افضل ظهير ايسر في البرازيل، الا ان الشاب اليانع المشوه تمكن من قهر سانتوس، على مرتين بمرواغتين لم يفهم فيهما سانتوس شيئا، فاستسلم تماما امام عبقرية منافسه.

وتوجه سانتوس بعد ان واجه هذا الفنان وعرف امكانياته الفنية، مباشرة الى ادارة ناديه، وصاح قائلا "لا يجب اهدار هذه الفرصة، علينا ضم هذا اللاعب حالا الى الفريق"، وهو ما حصل بالفعل، وبقي غارينشا لمدة 13 عاما في صفوف هذا الفريق العريق.

ومنذ هذا التاريخ بدا غارينشا مسيرة رائعة، صار فيها اللاعب المراوغ الذي لا يمكن توقيفه، والغريب انه اعتمد دائما على مراوغة واحدة حيث رواغ على مرحلتين، الاولى بدون كرة يقوم فيها بتمويه جسدي، وقدمه اليمنى، التي يموه بها، ثم يقفز على اليسرى، كي يعطي الانطباع انه يريد الانطلاق، وعند ارتباك المدافع الذي لا يمكنه فهم نية غارينشا، ينفلت الاخير بسهولة على الجناح، معتمدا على سرعة انطلاقه قبل ان يمرر كرات العرضية باتجاه زملائه.

لكن وبرغم ذلك نجح دائما في مراوغته هذه واغلب الاحيان كان المدافعون يسقطون ارضا، مستسلمين لفنيات هذا العبقري.

بعد عطائه المميز في صفوف نادي بوتافوغو، فتحت له ابواب المنتخب الوطني مصراعيها، وكان احد اللاعبين الذين مثلوا البرازيل في نهائيات كاس العالم العام 1958.

ولعب اول مباراة له كاساسي امام الاتحاد السوفياتي ثم في الدور نصف النهائي امام فرنسا حيث مرر كرتين حاسمتين الى فافا الذي ترجمهما الى هدفين 5-2.

وكذلك كانت الحال في المباراة النهائية امام السويد صاحبة الارض التي انتهت بنفس النتيجة، واقر بعدها اللاعب السويدي نيلز ليدهولم بدور غارينشا فيها، حيث قال "خسرنا المباراة النهائية بسببه (غارينشا)، لقد صنع هدفين خارقين".

وبذلك ساهم ملك المراوغات بفعالية في تتويج منتخب بلاده بالتاج العالمي للمرة الاولى.

وفي مونديال تشيلي 1962، انفجرت مواهب غارينشا واظهر فعليا فنياته العالية.

البداية في هذا المونديال كانت صعبة امام المكسيك، فبعد انتهاء الشوط الاول بالتعادل السلبي، انتظر البرازيليون الجوهرة السوداء بيليه ليقوم بمجهودين فرديين رائعين، سجل منهما هدفي الفوز.

غير ان بيليه لم يتمكن من مواصلة المنافسة بعد تعرضه لاصابة خطيرة في بداية مباراة منتخب بلاده امام تشيكوسلوفاكيا التي انتهت بالتعادل السلبي.

وفي المباراة الثالثة امام اسبانيا، تلقى مرمى البرازيل هدفا اول مباغتا، الزم غارينشا القيام باللازم لانقاذ فريقه من الاقصاء، ففعلها ومرر كرتين على طبق من ذهب الى اماريلدو الذي ترجمهما الى هدفين أهلا المنتخب الذهبي الى الدور ربع النهائي.

بعد هذه المباراة فهم غارينشا، وبعد غياب بيليه، انه اذا اراد ان يقود اللعب ويسجل اهدافا يجب عليه الدخول اكثر نحو وسط الميدان وعدم البقاء على اقصى الجهة اليمنى التي يفضلها: "اكتشفت ان المرمى يظهر اكبر من وسط الميدان منه على الجناح".

في مباراة ربع النهائي وضع الانكليز ثلاثة مدافعين لحراسة غارينشا الا انهم لم يفلحوا في ايقافه حيث تمكن من تسجيل هدفين من تسديدتين صاروخيتين، وفازت البرازيل 3-1.

وفي مباراة نصف النهائي لقي البلد المضيف تشيلي نفس مصير سابقيه من المنتخبات، حيث استسلم لقانون غارينشا ورفاقه 2-4 وتمكن اللاعب الاسطوري من تسجيل هدفين.

وفي المباراة النهائية واجهت البرازيل منتخب تشيكوسلوفاكيا، ولعب غارينشا المباراة وهو مصاب "بالانفلونزا"، الا انه اربك المدافعين كثيرا وساهم في فوز منتخب بلاده 3-1 ونيلها الكأس للمرة الثانية على التوالي.

بعد مونديال تشيلي، بدأت لعنة الاصابات تطارد غارينشا، خاصة وان جسمه المريض وبالاخص ساقيه كانوا لا يتحملون الضرب الذي كان يتلقاه بصفة مستمرة، ومن هنا بدأ نجمه في الافول.

غارينشا الذي كان يملك عقل طفل لا يتجاوز الثامنة من العمر حسب الاطباء النفسانيين، بدأ يكثر من الخروج الى الملاهي الليلية، وغاب عن التدريبات ثم ادمن الكحول وانفصل عن زوجته واولاده، وارتمى في حضن عشيقته المغنية الزا سواريز معلنا بذلك بداية نهاية نجوميته.

حاول غارينشا العودة الى اجواء المنافسة في مونديال انكلترا 1966، الا ان البرازيل خرجت من الدور ربع النهائي بانهزامها امام بلغاريا 1-3، فكانت اول هزيمة لغارينشا في صفوف المنتخب خلال 41 مشاركة في صفوفه، وكانت كذلك اخر ظهور له بالزي الذهبي.

وتواصل بعد ذلك مسلسل تدهوره ثم اصيب بمرض صدري وخضع لعملية جراحية في الركبة، لينتهي الطفل العملاق في براثين الكحول والبؤس، قبل ان يغادر هذا العالم نهائيا العام 1983 في احد مستشفيات ريو دي جانيرو.- (أ ف ب)

التعليق