قانونيون يطالبون بتوفر سبل التواصل والترجمة للصم أمام القضاء

"الاستئناف" تنقض حكما لـ"الجنايات" بإدانة طفل أصم بجناية الشروع بالقتل

تم نشره في الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

نادين النمري

عمان - نقضت محكمة الاستئناف قرارا لمحكمة الجنايات يقضي بسجن طفل أصم يبلغ من العمر 12 عاما لمدة عام، بعد إدانته بجناية “الشروع بالقتل”، معتبرة أن “نية المتهم لم تكن تتجه نحو الإزهاق إنما الإيذاء فقط”، وبالتالي حكمت بتعديل الوصف الجرمي إلى جنحة “الإيذاء”.
وقضت “الاستئناف” بوضع الطفل سالم (اسم مستعار) لمدة شهرين في دار تربية وتأهيل الأحداث، بدلا من التوقيف لمدة عام كامل كما ورد في قرار محكمة الجنايات السابق.
وكانت “الغد” نشرت العام الماضي قضية الطفل سالم، الذي أدانته “الجنايات” بجناية “الشروع بالقتل”، بعد أن اعتمدت ترجمة والدة الطفل غير الدقيقة عوضا عن تعيين مترجم معتمد، الأمر الذي أثار حفيظة حقوقيين وقانونيين، تجاه عدم توفر سبل التواصل والترجمة للصم أمام القضاء.
ووفقا للمحامي صلاح جبر، من مركز العدل للمساعدة القانونية الذي ترافع عن القضية، فإن “الجنايات” حكمت في شهر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي بإدانة الحدث، ووضعه مدة عام في دار تربية الأحداث، لكن “الاستئناف” فسخت الحكم.
وقال إن محكمة الاستئناف اعتبرت أن “الجنايات” لم تناقش بيئة النيابة، ولم تأتي على اركان جريمة الشروع بالقتل، ولم تراعي في قرارها إذا كانت الإصابة والأداة المستعملة قاتلة أم لا، كما لم تراع القصد الجرمي وما إذا كانت نية القتل متوافرة لدى المستأنف أم لا، وبالتالي لم تطبق القانون على الوقائع تطبيقا سليما، وجاء قرار المستأنف غير معلل.
وجاء بقرار “الاستئناف”، الذي حصلت “الغد” على نسخة منه وصدر بـ29 أيار (مايو) الماضي، أن “نية المتهم لم تكن تتجه للإزهاق إنما الإيذاء فقط، والأداة المستخدمة قطعة زجاجية وليست قاتلة، كما أنه ليس هناك معرفة سابقة باعتراف المجني عليه، لذلك وجب تعديل الوصف الجرمي من جناية الشروع بالقتل الى جنحة الإيذاء”. وبحسب نص القرار، فإنه وحيث أن المتهم مراهق يوضع في دار تربية الأحداث لمدة شهرين محسوبة من مدة التوقيف.
وتعود قضية سالم إلى شهر رمضان 2012، عندما طلب منه والده شراء الخبز، حيث اعترض طريقه شابان (23 و18 عاما) قاما باستفزازه وضربه، مستغلين إعاقته وعدم قدرته على الكلام، فما كان منه سوى الدفاع عن نفسه، حيث ضرب أحدهم بقطعة زجاج متسببا له بجرح في يده.
وإثر الحادثة تم توقيف “سالم” بمركز تأهيل الأحداث لمدة 8 أيام وتحويله إلى محكمة الصلح بتهمة “الإيذاء”.
ووفقا لما رواه الأب، لـ”الغد”، “مثُل ابني أمام محكمة الصلح، وفي أثناء مثوله لم توفر المحكمة له مترجما معتمدا، بل اعتمدوا على ترجمة والدته، التي لا تتقن لغة الإشارة، لكنها تستطيع أن تفهم بعض المصطلحات البسيطة”.
وأضاف “عندما سأل القاضي ابني (هل أنت مذنب) قامت الأم بترجمة السؤال (هل قمت بالضرب)، فكانت إجابة سالم بالإيجاب، أي أنه ثبت على نفسه الجرم بالاعتراف بأنه مذنب”.
وأوضح “ما زاد الطين بلة تقرير الطب الشرعي، الذي نص على وجود ضرر بالغ، الأمر الذي تسبب بتحويل القضية من إيذاء أمام محكمة الصلح إلى شروع بالقتل أمام محكمة الجنايات”.
وتابع الأب “بعد أن سارت الأمور على نحو غير متوقع، خصوصا أن ابني كان يدافع عن نفسه، تم نصحنا بالتوجه إلى مركز العدل للمساعدة القانونية، خصوصا في ظل عدم قدرتنا على دفع مبلغ 4 آلاف دينار طلبها الطرف الآخر للتنازل عن القضية”.
من جهته، أوضح المحامي جبر أنه “بعد دراسة القضية تبين وجود عدة أخطاء في الإجراءات، أبرزها اعتماد ترجمة الأم وهي ترجمة غير معتمدة، خصوصا أن الأم لا تجيد لغة الإشارة، كما أنها شبه أمية، ما يجعل اعتماد ترجمتها باطلا قانونا”.
ولفت إلى أن “الخلل الآخر يكمن في اعتماد المحكمة اعتراف الطفل أمام محكمة الصلح، لكن ولكون القضية نقلت من محكمة الصلح إلى الجنايات الصغرى، فإن ذلك يبطل الاعتراف الأول للطفل ويوجب اعترافا ومحاكمة جديدة”. وتابع “بالفعل قامت محكمة الجنايات بتكليف مترجم معتمد للغة الإشارة في إجراءات المحاكمة، بما يضمن إيصال الفكرة بشكل واضح للطفل وترجمة اعترافه بدقة كذلك”.
من ناحيته، بين الناشط في حقوق الإنسان، عضو الائتلاف الوطني لرصد اتفاقية تطبيق حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المحامي مهند العزة أن “ما تعرض له الطفل سالم أمر تعرض له سابقا، وقد يتعرض له آخرون من ذوي الإعاقة السمعية، نتيجة للبس في الترجمة، بسبب عدم وجود مترجمين معتمدين، إلى جانب افتقار لغة الإشارة إلى بعض المصطلحات القانونية”.
وأوضح “عمليا توجد مشكلتان في التعامل مع الصم في القضاء، الأولى تكمن في أن لغة الإشارة تفتقر للعديد من المصطلحات والكلمات، خصوصا المتعلقة بالقانون والادعاء”.
أما الأخرى، فهي “عدم وجود مترجمي إشارة متخصصين في لغة القانون والقضاء”، وفق العزة الذي بين أن “المطلوب ليس فقط وجود مترجمين معتمدين، إنما وجود متخصصين على دراية وفهم بالمصطلحات القانونية”.
ودعا العزة إلى ضرورة إثراء قاموس لغة الإشارة ليتضمن مصطلحات قانونية وقضائية تضمن حق ذوي الإعاقة السمعية عند إجراءات التقاضي، سواء كان الشخص الأصم مدعى عليه أو مُدعيا أو شاهدا.

التعليق