رسالة كأس العالم التي تصيب الناس بالمرض

تم نشره في الجمعة 27 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً
  • إعلان لمناسبة كأس العالم - (أرشيفية)

كينت بيوسي، وسارة هاوكنز*

لندن ــ شاهد مليار متفرج المباراة الافتتاحية في بطولة كأس العالم لكرة القدم، والتي أقيمت  في مدينة ساو باولو بالبرازيل. وعند مرحلة ما خلال البطولة الممتدة لشهر كامل، سينضم إليهم مئات الملايين الآخرين. وبالنسبة للشركاء الستة الرئيسيين لمنظمة الفيفا وللرعاة الثمانية الرسميين للحدث، لا تقل قيمة هذا الحشد من المشاهدين عن منجم ذهب حقيقي. والواقع أن الرعاة يدفعون عشرات الملايين من الدولارات على أمل أن تحظى علاماتهم التجارية بجانب من الاهتمام مع سحر "اللعبة الجميلة" -وهو أمر وارد للغاية. أما عن المشاهدين، فالأرجح أن الأمر مزعج إلى حد كبير.
لم تكن الفترة السابقة لركلة البداية خالية من الدراما، على الأقل بالنسبة لأحد شركاء الفيفا، شركة بودوايزر، والتي اتُهِمَت بإرغام حكومة البرازيل على إبطال قانون محلي يحظر بيع المشروبات الكحولية داخل ملاعب كرة القدم. وبالرغم من المعارضة واسعة النطاق لإلغاء هذا القانون، كانت منظمة الفيفا حازمة في قرارها: "إن المشروبات الكحولية هي جزء من بطولة كأس العالم لكرة القدم، ولذلك فسوف نسمح بها".
لا شك في أن رعاية شركات مثل بودوايزر، ومكدونالدز، وكوكاكولا، والشركة العملاقة موي بارك للوجبات السريعة، تجلب الملايين من الدولارات للعبة كرة القدم. ولكن، ما هي رسالتها الموجهة إلى الجماهير في مختلف أنحاء العالم؟ إن الترويج للكحوليات والمشروبات السكرية والوجبات السريعة ربما سيعني تحقيق أرباح مهولة للشركات، ولكنه يعني أيضاً صحة أسوأ للأفراد، وعبئاً باهظاً تتحمله أنظمة الرعاية الصحية في بلدان العالم.
بدلاً من التركيز بشكل خاص على ميل الكحوليات إلى تأجيج العنف داخل الملاعب، يجب على وسائل الإعلام إلقاء الضوء على الضرر الذي يلحِق بسكان العالم كل يوم نتيجة لاستهلاك الكحول والأطعمة المعالَجة. إن استهلاك مثل هذه المنتجات هو في زيادة مستمرة -وخاصة في ظل الحملات الإعلانية العالمية التي تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات. وخلال العقد الماضي، تضاعفت المبيعات العالمية من المشروبات الخفيفة؛ وارتفع نصيب الفرد من استهلاك الكحول؛ وازداد معدل استخدام التبغ. ولعل ما يزيد الطين بلة هو أن أغلب هذه الزيادة تحدث في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وهي الأقل قدرة على التعامل مع الأزمات الصحية المقبلة.
يعتبر التصنيف أحد العوامل الكامنة وراء المخاطر التي تهدد الصحة العامة. ففي العادة، يجَمِّع خبراء الصحة الأمراض في فئتين: فئة الأمراض المعدية التي ترجع غالباً إلى الإصابة بعدوى، وفئة الأمراض غير المعدية -التي يندرج تحتها كل ما عدا ذلك.
من بين الأمراض غير المعدية، هناك أربع حالات هي الأكثر إسهاماً في حدوث الوفاة المبكرة أو العجز: أمراض القلب والشرايين، وحالات التهابات الرئة المزمنة، والسرطان، ومرض السكري. وفي العام 2010، كانت هذه الحالات الأربع سبباً في 47 % من مجمل الوفيات، ومنها 9 ملايين وفاة بين أفراد تقل أعمارهم عن ستين عاماً.
تعكس عوامل الخطر الرئيسية المؤدية إلى هذه الحالات -تدخين التبغ، والإفراط في استهلاك الكحول، والوزن الزائد، وعدم ممارسة الرياضة البدنية بالقدر الكافي- سلوكيات غير صحية عميقة الجذور. ولأن هذه النوعية من السلوكيات هي التي تشجعها على وجه التحديد شركات مثل تلك الراعية لبطولة كأس العالم،  فربما يكون "المرض الناتج عن رغبة الشركات في تحقيق الربح" هو التصنيف الأفضل للأمراض.
كثيراً ما يُعَد الاستهلاك المفرط للمشروبات الكحولية والتبغ والأطعمة المعالجة الغنية بالطاقة من "الاختيارات" الشخصية لأسلوب الحياة. ولكن محددات مثل هذه الاختيارات تكون غالباً بعيدة عن السيطرة المباشرة للفرد. والواقع أن الارتباط الوثيق بين "الأمراض الناتجة عن الرغبة في الربح" ويبن الفقر أو التمييز بين الجنسين، يشير إلى أن قوى اجتماعية أوسع، والتي تفرض ضغوطاً كبيرة على سلوكيات الأفراد التي تؤثر على الصحة.
تتطلب معالجة الأمراض الناتجة عن الرغبة في الربح اتباع نهج جديد في التعامل مع الصحة والمنظمات المكلفة بحمايتها. فالنظام الحالي لا يعمل على تمكين الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الفنية المعنية بإدارة الصحة لمواجهة محددات الصحة الهزيلة بفعالية. وتتمتع الشركات الكبرى بالموارد، والقوة اللازمة لممارسة الضغوط، وميزانيات الإعلان، والشبكات، وسلاسل العرض التي لا تملك الأمم المتحدة إلا أن تحلم بها فقط. وفي حين تتدبر منظمة الصحة العالمية أمورها بقدر شحيح من الإنفاق لا يتجاوز 2 مليار دولار سنويا، فإن صناعة التبغ تحصل نحو 35 مليار دولار من الأرباح سنويا.
ولكن، ما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها لتمهيد أرض الملعب وتحقيق تكافؤ الفرص؟ قد يجيبك أي خبير في كرة القدم بأن النجاح يعتمد على العمل الجماعي. ففي المقام الأول والأخير، ينبغي للمستهلك أن يكون أفضل اطلاعاً بشأن التأثير البعيد الأمد الذي قد تخلفه منتجات الرُعاة. وعلى أي حال، تتلخص الوسيلة الأكثر فعالية في إرغام الشركات في نهاية المطاف على التغيير في الامتناع عن شراء ما تبيعه. وعندما يرفع الناس أصواتهم، ولنقل لحظر الإعلان عن بدائل حليب الأم أو المطالبة بالقدرة على الوصول إلى العقاقير المنقذة للحياة -وكثيراً ما تستجيب الشركات الكبرى إلى مثل هذه الأصوات.
ثانياً، يتعين على صناع السياسات أن يتحلوا بالواقعية. وبالرغم من حيز التفاؤل الذي تتيحه بكل تأكيد التكنولوجيا المتقدمة التي سوف تساعد في السيطرة على تكاليف العلاج، فإن علاج حصة متزايدة من سكان العالم ليس ممكناً ببساطة. وطبقاً لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن الأمراض الأربعة الرئيسية الناتجة عن الرغبة في الربح كلفت الاقتصاد العالمي نحو 3.75 تريليون دولار أميركي في العام 2010، وقد أنفق أكثر من نصف هذا المبلغ على الرعاية الطبية. وفي هذا السياق، فإن استراتيجيات الوقاية تشكل أهمية بالغة.
ثالثاً، تستطيع الشركات أن تلعب دوراً حاسماً في هذا السياق. فبعيداً عن كونه جانباً أساسياً من المسؤولية الاجتماعية للشركات، تصب جهود الحد من الأمراض الناتجة عن الرغبة في الربح -وبالتالي ضمان صحة وإنتاجية الجيل الحالي وأجيال المستقبل- في مصلحة الشركات. ويشكل الالتزام الطوعي بالحد من السكر في المشروبات الخفيفة والحد من مستويات الملح في الأطعمة المعالجة خطوة إيجابية؛ ولكنها ليست كافية بأي حال من الأحوال.
وأخيراً، يحتاج كل فريق ناجح إلى مدير قوي. وفي المعركة ضد الأمراض الناتجة عن الرغبة في الربح، يتعين على السلطات التنظيمية الدولية والوطنية أن تضطلع بهذا الدور، وتقوم بتحديد وفرض قواعد اللعبة لحماية صحة الناس في مختلف أنحاء العالم.
إن بطولة كأس العالم تخلف تأثيراً اجتماعياً عميقا، بما في ذلك على الصحة العالمية. وينبغي للاتحاد الدولي لكرة القدم أن يتحمل المسؤولية عن ضمان عدم خروج مشاهدي البطولة برسالة قد تصيبهم بالمرض.

*كينت بوسي: رئيسة قسم الشؤون السسياسية والاستراتيجية في "يو أن إيدز".
*سارة هاوكنز: زميلة رفيعة في منظمة الانخراط العام الدولي في معهد الصحة العالمية، جامعة لندن.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق