رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

تم نشره في الاثنين 30 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

الفاروق عمر بن الخطاب

الفاروق أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، عرف في شبابه بالشدة والقوة، وكانت له مكانة رفيعة في قومه؛ إذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم، وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات، وأول من لقب بأمير المؤمنين، سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- (الفاروق) لأن الله فرق بين الحق والباطل.
ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا، وقال متحديا لهم:(من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه.
لسان الحق
هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزهادهم، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه، يقول علي بن أبي طالب:(إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه) كما قال عبد الله بن عمر:(مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر)
إنجازاته
استمرت خلافة عمر عشر سنوات تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال:(كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمامته رحمه، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا) فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة (14 للهجرة)، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة (16 للهجرة)، وأول من عسّ في عمله، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج، كما أنه مصّر الأمصار، واستقضى القضاة، ودون الدواوين، وفرض الأعطية، وحج بالناس عشر حِجَجٍ متوالية، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها.
استشهاده
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعيد النظر واسع الفكر، يخشى على المجتمع الإسلامي من التلوث، ويخاف عليه من عدم التجانس بوجود عناصر غريبة فيه، تضيع معها الرقابة، وتنتشر آراء متباينة بالاختلاط، وتكثر فيه الإساءة والنيل من مقوماته، يخشى أن يقوم الذين يأتون من خارج المجتمع من المجوس وسبي القتال بأعمال يريدون بها تهديم الكيان الإسلامي، لهذا فإنه منع من بلغ من هؤلاء دخول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن عدداً من الفرس استطاعوا الغدر به.
فحين طلب المغيرة بن شعبة أمير الكوفة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يسمح لغلامه (فيروز) الذي يدعى (أبا لؤلؤة) بدخول المدينة للعمل فيها خدمة للمسلمين، حيث هو رجل ماهر يجيد عدداً من الصناعات التي تفيد المجتمع وتخدم الدولة، فهو حداد ونقاش ونجار، فأذن له عمر. وكان أبو لؤلؤة خبيثاً ماكراً، يضمر حقداً، وينوي شراً، يحنّ إلى المجوسية ولا يستطيع إظهارها، وتأخذه العصبية ولا يمكنه إبداؤها، فكان إذا نظر إلى السبي الصغار يأتي فيمسح رؤوسهم ويبكي، ويقول: أكل عمر كبدي. وكان أبو لؤلؤة يتحيّن الفرص، ويراقب عمر وانتقاله وأفعاله، ويبدو أنه قد وجد أن قتل الخليفة وقت الصلاة أكثر الأوقات مناسبة له، إذ يستطيع أن يأخذه على غفلة، ويغدر به دون مواجهة، وكان عمر رضي الله عنه إذا مر بين صفوف المصلين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيها خللاً تقدّم فكبّر ودخل في الصلاة.
فلما كانت صلاة فجر الثالث والعشرين من ذي الحجة في السنة الثالثة والعشرين من هجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وفعل عمر كعادته، فما هو إلا أن كبّر حتى طعنه أبو لؤلؤة حتى أغمي عليه، وهرب بين الصفوف، وبيده سكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً أو شمالاً إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ما يزيد على النصف.
فلما أفاق عمر قال: أصلى الناس؟ وهكذا لم ينقطع تفكيره بالصلاة على الرغم مما حل به.
قال عبد الله بن عباس: نعم.
قال عمر: لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى، وإن جرحه لينزف.
وجيء له بطبيب من الأنصار فسقاه لبناً فخرج اللبن من الجرح، فاعتقد الطبيب أنه منته، فقال: يا أمير المؤمنين اعهد. فبكى القوم لما سمعوا ذلك. فقال عمر: لا تبكوا علينا، من كان باكياً فليخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببكاء أهله عليه.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يريد أن يطمئنه ويخفف عنه، فيذكره بمكانه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن رسول الله قد بشره بالجنة، فكان عمر يقول "والله لوددت أني نجوت منها كفافاً لا علي ولا لي"، "والذي نفسي بيده لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر".
وقال به ابن عباس، لقد كان إسلامك عزّاً، وإمارتك فتحاً، ولقد ملأت الارض عدلاً.
وطلب عمر من ابنه عبد الله أن يفي ما عليه من الديون. ثم أرسله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها في أن يدفن بجانب صاحبيه، وقال له: قل لها: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فمضي عبد الله فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها وقال: يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده (المكان) لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي.

التعليق