جميل النمري

رمضانيات

تم نشره في الاثنين 30 حزيران / يونيو 2014. 12:03 صباحاً

مع الصلاة والصوم، يزخر الشهر الفضيل بمعان سامية من التقرب لله، والتواضع، وإخضاع الشهوات، والتقشف والخشوع والزهد والإحسان. سوف نبقى كل عام نعيد نفس المواعظ والدروس عن أخلاقيات رمضان، ونستمر نعيد، في الأغلب الأعم، نفس السلوكيات النقيضة.
أفكر في المآدب الرمضانية، وأتساءل عن فائض الطعام الذي يمكن أن يطعم أضعاف محتاجيه في كل المملكة. وقد لا يلزم هذا الفائض خلال هذا الشهر بالذات؛ إذ تنتشر موائد الرحمن في كل مكان، يقدمها محسنون ومؤسسات شتّى، لكن لو أن بعض الهيئات والشركات تفكر في ترتيب فعال لأخذ هذا الفائض وتحويله إلى طعام محفوظ لأوقات لاحقة.
سوف نبقى كل عام نشكو ارتفاع الأسعار مع بداية رمضان، وننتقد التجار على هذا الارتفاع الفاحش وغير المبرر، داعين إياهم إلى مخافة الله. لكن الحقيقة أن الأسعار تتبع القاعدة الذهبية المطلقة للعرض والطلب، ولا تنفع المواعظ ولا حتى الرقابة؛ فالحل على أحد جانبين، إما زيادة العرض وهو ما تحاول الجهات الرسمية عمله عبر المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية، أو إنقاص الطلب وهو ما لا يمكن فرضه بقرار، بل يفترض تحولا في الثقافة العامة.
نحب طقوس رمضان الجميلة، ولا يمكن الطلب من الناس التخلي عن الاحتفال والفرح، بما في ذلك طقوس الطعام والشراب. لكن، يمكن فعل ذلك بطريقة أكثر عقلانية، مثل الحفاظ على النوع مع تقليص حاسم للكم.
واقتصادات الناس في رمضان تتلخص بالتالي: "استهلاك أعلى وإنتاجية أقلّ". ومن المفهوم أن تكون قدرة الإنسان الإنتاجية أقل مع الصوم، خصوصا مع الأجواء الحارة التي نعيشها هذه الأيام، لكن لماذا يجب أن نستهلك أكثر؟ ومعنى الصوم حرفيا هو النقيض؛ أي أن يمتنع الإنسان عن الاستهلاك لأقصى ما يستطيع، ثم يأكل ويشرب فقط تلبية للضرورة الحيوية، وليس للمتعة الجسدية.
على جبهة أخرى، سوف تستمر الدورة الاستثنائية لمجلس النواب خلال رمضان. وهذا أمر حسن؛ فليس جيدا بحق النواب أن يظهر أنهم منحوا أنفسهم عطلة في رمضان، فيما بقية فئات الشعب تكدح مع الصوم والصيف اللاهب. والحقيقة أن هناك سببا عمليا ضاغطا أكثر من إعطاء المثل والقدوة، وهو وجود قوانين يجب أن تُعدل في مواعيد ملزمة، انسجاما مع التعديلات الدستورية. ولذلك، قد نذهب إلى دورة استثنائية ثانية، لا تترك سوى بضعة أيام من التعطيل قبل بداية الدورة العادية المقبلة.
في الأثناء، نرنو بأفكارنا شمالا وشرقا إلى الأشقاء في سورية والعراق. وليكن الدعاء في مطلع هذا الشهر الفضيل أن يلهم القادة من جميع الأطراف الإرادة القوية والحكمة الضرورية لتقديم التنازلات المتبادلة، بما في ذلك التخلي عن السلطة، من أجل حلول سلمية تحفظ وحدة المجتمع والبلاد، وتعزل جماعات الإرهاب والتطرف، وتوفر كل هذا الدم والدمار.

التعليق