إبراهيم غرايبة

دعاة لا قضاة

تم نشره في الاثنين 30 حزيران / يونيو 2014. 12:02 صباحاً

تقوم الأزمة الكبرى بين الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية السياسية بعامة وبين الأنظمة السياسية والمجتمعات، حول مسألة الحاكمية على النحو الذي بدأ يفهمه الإخوان والجماعات الإسلامية في ستينيات القرن العشرين؛ وهو باختصار اعتبار أنظمة الحكم والمجتمعات القائمة غير إسلامية. وهو فهم تشكل أساسا حول مجموعة من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (المائدة، الآية 44)، وقوله سبحانه: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة، الآية 50).
إن اعتبار الأمة خارجة على الدين وفق هاتين الآيتين، هو فهم طارئ ومفاجئ لمعظم المسلمين. وقد وقع فيه من قبل الخوارج، عندما اعتبروا الأمة كلها خارجة عن الإسلام؛ فما من مسلم سواهم. وأنشأ بعض المعاصرين بينهم إخوان مسلمون، ومن حزب التحرير، والجماعة الإسلامية، والجهاد، والتكفير والهجرة، وبعض السلفيين.. حكما على الأمة بالردة صراحة أو ضمنا، بل إن بعضهم اعتبر الأمة في ردة شاملة دخلت فيها منذ قرون عدة. وتمكن هذا الفكر في صفوف الإخوان، وصار مهيمنا على كثير من قادتها وأعضائها. وقد عرضت من قبل لكتاب "معالم في الطريق" (28 آذار (مارس) 2014).
وأصدر حسن الهضيبي، المرشد العام للإخوان، كتاب "دعاة لا قضاة" في أواخر الستينيات، ردا على هذا الفكر الذي انتشر وما يزال مؤثرا. والأكثر غرابة في الأردن أنه يمثل إضافة الى كونه رأيا دينيا، مزاجاً انفصاليا لأسباب اجتماعية وسياسية لا علاقة لها بالدين. ومن عجب أن ترى منطق الأحكام والمواقف الانفصالية نفسها تجمع بين متشددين دينيين ولادينيين!
سأركز في هذا المقال على مقاربات حسن الهضيبي المتعلقة بالحكم، ومناقشته للفهم الذي تشكل وهيمن لدى الإخوان المسلمين وحزب التحرير وجماعات الجهاد والسلفية القتالية. فهو يذكر أن "حكم الناطق بشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) أن نعتبره مسلما تجري عليه أحكام المسلمين، وليس لنا أن نمحص صدق شهادته".
ولم ترد "الحاكمية"؛ "حاكمية الله" في الكتاب والسنة، فهو مصطلح حديث. ولكن ورد لفظ الحكم "إن الحكم إلا لله" (يوسف، الآية 40)، وهناك أيضا قوله تعالى: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (النساء، الآية 65).
يقول الهضيبي: "وقد توهم البعض في قول المودودي (المصطلحات الأربعة في القرآن) أن من مقتضى الإيمان ألا يكون الحكم والأمر والتشريع إلا بيد الله، استحالة أن يأذن الله على للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبا من حياتهم.. وهذا فهم خاطئ. كما أن عقولنا ليست حاكمة على الله بشيء، فلا يجوز لمسلم أن يجعل من عقله حدا لسلطة الله تعالى، والذي ينفي أن يكون الله عز وجل حق الإذن للناس في وضع بعض التشريعات أو التنظيمات إنما يحد بعقله من سلطان الله.. والحق أن الله عز وجل ترك لنا كثيرا من أمور دنيانا ننظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات حددها سبحانه وتعالى وأمر بتحقيقها، وبشرط ألا نحل حراما أو نحرم حلالا".
ولا يملك أحد أن يبيح محرما. أما المباحات، فإن للمسلمين أن يسنوا فيها من الأنظمة التي قد تتخذ شكل قرار أو لائحة أو قانون، وهي تشريعات لا يجوز أن يزعم أحد أنها من تشريع الله.

التعليق