لعلكم تتقون

تم نشره في الجمعة 4 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

ليس الصيام وحده الذي يُرجى منه تحقيق التقوى؛ فقد شمل هذا الغرض معظم الفرائض. إذ قبل الصيام الحديث عن عقوبة القصاص، وفيها مطلب تحقيق التقوى. وبعد الصيام الحديث عن الجهاد، وفيه أيضا مطلب تحقيق التقوى. فالتقوى هي الأصل الذي يريده الله تعالى من هذا التشريع على اختلاف تنويعه؛ عبادات ومعاملات وأخلاق وحقوق.
والتقوى هي تلك العلاقة العظيمة، والصلة الرفيعة، بين العبد وربه؛ حين يخشاه فيحقق ما يريده منه، ويعظمه فيعبده فلا إله سواه، ويحبه ويستشعر معيته والأُنس به، فهو الغفور الودود الرحمن الرحيم. هذه المشاعر كلها وغيرها هي التقوى التي تجعل بين العبد والعقوبة وقاية، وهي التي تسمو بالعبد إلى درجة التكريم الحقيقي. فلئن كانت علاقات الناس مبنية على مصالح بينهم، فالمتقون يجعلون في أعلى سلّم أولوياتهم تلك العلاقة مع ربهم، وشتان بين إنسان يغدو ويروح وهمّه الناس، وإنسان همّه الله؛ كيف يحبه ويتقرب إليه ويحقق عبوديته معه!
ولكن الذي يميز الصيام أن الله سبحانه ذكر في أول آية من آياته في سورة البقرة موضوع التقوى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة، الآية 183)، وفي آخر آية من آياته كذلك؛ فيقول الله في فاصلة الآية الأخيرة: "... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (البقرة، الآية 187)؛ وكأن الصيام مغلف كله بموضوع التقوى، وهي مرادة منه، وهو أجدر ببناء التقوى من غيره من الفرائض، لما له من كبح جماح الشهوات، ولجم النفس فيما تهوى، وبناء الإرادة التي تمنع النفس من التهور، ولأن الصيام يُشعر صاحبه بمشاعر العطف والرحمة على الآخرين. وحينها، ينطلق المسلم الحق في هذه الدنيا بقلب رقيق على إخوانه، وعلى الإنسانية بشكل عام، وهو رحيم بالناس يريد لهم الخير والهداية والرشاد، ويتحمل الأذى ويضحي بالنفس في سبيل الله تعالى، لأن التقوى قد ربته على أن يعيش لله وفي الله ومع الله.
يخطئ كثيرون حين يظنون أن الدين مجرد شعائر تؤدى، فلا يتردد أحدهم في أن يظلم أو يبطش أو يأتي أنواعا من الحرام. فالدين منظومة متكاملة. صحيح أن التلفظ واليقين بالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج هي الأركان، ولكن لا بد من إحسان البنيان، فهو ليس مجرد أركان، إذ هناك الأخلاق والأعمال الصالحة عموما، والتشريعات التي ينبغي الامتثال لها، فلم ينزلها الله عبثا بل لتحكم وتنظم حياتنا. وهناك المعاملة بين الناس على اختلاف أصنافهم وأطيافهم ومعتقداتهم. كم نخطئ في حق الدين حين نظن أن الالتزام تشدد وعبوس وانقطاع عن الدنيا، أو في الجهة المقابلة حين نظن أن سماحة الإسلام ووسطيته تدعو إلى التحلل من كثير من التوجيهات! فالحق والصواب في حسن الفهم والتطبيق، بلا غلو ولا تقصير.
إن التقوى هي خلاصة الدين؛ هي حسن العلاقة بالله تعالى. ولا نشك أبدا في أن العبادات هي من آكد ما يبني هذا الشعور. فالعبادات وملحقاتها، من ذكر لله وقراءة للقرآن وتفكر في مخلوقات الله وحسن إعداد النفس لما هو قادم من حياة أخرى، كل ذلك مع ما نعتقده من أركان الإيمان، حيث معرفة الله واليقين به، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كل ذلك يسهم في هذا الرقي في العلاقة المتينة مع الله. ومرة أخرى، لا يمكن أن يستوي من عظّم الله واستشعر معيته، مع من يعيش في بعد عنه سبحانه، تائها في ملذاته، بعيدا عن مراقبته، غارقا في معصيته ومخالفة أمره.
وهناك من يزعم تقوى الله ولا تجده يقدم لله شيئا من طاعة، بحجة أن الإيمان مقره القلب، وأنه عارف بالله تعالى، بل بلغ اليقين في معرفته لله! وهنا لا بد من الانتباه إلى مزالق خطيرة يسهم الشيطان في تزيينها. فها هو قدوتنا صلى الله عليه وسلم، يعبد الله في كل حين، بل يبالغ في ذلك وإن قيل له أن يخفف يجيب: "أفلا أكون عبدا شكورا...". فالشيطان هو الذي يلبس على الإنسان ترك العبادة والطاعة، بحجة قرباته السابقة، وأعماله الصالحة، وأن الدين المعاملة فقط. والله هو الذي شرع ووصى ومدح أهل الطاعة والعبادة. فالحياة صعبة ومجاهدتها كبيرة، وفيها ما فيها من ألوان الابتلاء. ووقود الحياة هي هذه التقوى التي تعبر بك إلى بر الأمان، ولا بد لها من ديمومة الاتقاد. فالإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بل إن كثرة المعاصي تطمس هذا الإيمان، وتغلف القلب بالسواد، وتجعل على البصر غشاوة وعلى السمع والقلب ختما يحجبهما عن الخير، فمن الذي يطيق هذا ويزعم بعدها أنه مع الله؟!
لقد علمتنا الحياة أنه لا تقوى من دون عبادة وانقياد لله تعالى، وأنه لا تقوى من دون حسن معاملة الناس، ولا تقوى من دون تحملٍ لمسؤولية المسلمين والشعور معهم وحبهم؛ فهي أمور متلازمة، قدوتنا فيها رسولنا صلى الله عليه وسلم، فهو أعبد الناس، وأحسنهم معشرا، وأكثرهم انشغالا بهذا الدين ومستقبله ومستقبل أمته، خاض الغزوات ومكّن للدين وأسس للعلاقات كلها، وبيّن كل ما يحتاجه المسلمون في حياتهم.
وفي آيات الصيام ورد قوله تعالى بعد آيات التشريع: "لعلكم تشكرون"، وفي آية الدعاء "لعلهم يرشدون"؛ فبين التقوى يأتي ذكر بعض فوائد الصيام حين يرتفع بالمسلم إلى مرتبتي الشكر لله على نعمه، في التيسير والتشريع عموما، والرشد الذي هو علامة على العقل والحكمة. والرشد وإنْ ارتبط بموضوع الدعاء المستحب وقت الصيام، إلا أنه أمر مطلق يهذب النفس في هذه العلاقة السامية بالله تعالى، وهي مرتبة رشد لا تقل عن الصيام نفسه بما ذكرته عنه، ولهذا تأتي هذه الأمور الثلاثة: التقوى والشكر والرشد لتشكل شخصية الصائم، فآكدها وأعظمها التقوى التي أنتجت صفتي الشكر والرشد؛ الشكر الذي قليل من العباد من يؤديه "وقليل من عبادي الشكور"، والرشد الذي يكاد يُفقَد بين المسلمين، حين يحل السفه واللهو واللعب مكان العقل والحكمة وترتيب الأولويات.
التقوى مطلب أكيد وخلاصة مقصودة للتشريعات كلها، ولا بد لنا في أوقات سمو الروح وجلاء البصر من أن نبنيها ونسمو بها، وصدق من قال:
وإذا أفاق القلب واندمل الهوى
            رأت القلوب ولم تر الأبصار
ورمضان فرصة عظيمة لاستدراك الخير كله. ومن يدري، فربما لحظة واحدة في الحياة تغير منهج أحدنا؛ هي لحظة صدق ويقين بالله، أن يقف أحدنا مع نفسه ويقرر أنه من الآن فصاعدا سيكون مع الله، فلله في أيام دهرنا نفحات، فلنتعرض لنفحاته. وربما يصادف دعاؤه لحظة إجابة يرضى بها الله عنك.
فلنحرص على ما ينفعنا دنيا وآخرة، ولنكن مطمئنين. والاطمئنان الحقيقي هو في هذا الرضى عن الله ليرضى عنك. فاللهم اجعلنا من أهل الرضى والتقوى يا حي يا قيوم.

*أكاديمي أردني

التعليق