المحكمة العليا عميلة

تم نشره في الخميس 3 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً

هآرتس

جدعون ليفي

3/7/2014

كل الاحترام للمحكمة العليا، فقد برهنت مرة أخرى على أنه لا مثيل لها في الحفاظ على تقاليد قضائية مجيدة. وقد جاء الرؤساء وذهبوا وتبدل القضاة وحل محل المجموعة البراقة الجليلة مئير شمغار وأهارون براك ومشآل حشين ودوريت بينيش مجموعة الموظفين الباهتة لآشر غرونس، لكنها لم تقطع لحمها. وقد برهنت حلقة الذهب مرة أخرى على أنها ليست سوى ختم مطاطي ليّن. وقد خبا نور منارة العدل منذ زمن وهو في واقع الأمر لم يُضئ قط حينما كانت الأمور تتعلق بالاحتلال. فهناك، هناك خاصة، حينما يحتاج إلى المنارة تتحول إلى ثقاب متفحم وتصمت.
تقف الفاعلية القضائية عند الخط الاخضر الذي توجد الارض المشاع وراءه. هل تتذكرون الشهادة النموذجية، أعني فيلم "سلطة القانون"؟ أصبح يمكن انتاج "سلطة القانون 2". وحينما يحين الوقت ويجري وزير التاريخ موازنته سيتذكر أين كانت المحكمة العليا حينما حدث كل ذلك. وسيكتب الوزير أمامه أن المحكمة العليا كانت عميلة.
رفضت المحكمة العليا أول أمس للمرة الـ 150 وربما أكثر اعتراضا آخر على هدم بيت مخرب. بل إن المحكمة العليا اشمأزت هذه المرة من الصغائر: لم يُدن زياد عوض إلى الآن بقتل ضابط الشرطة باروخ مزراحي، لكن الجرافة اتجهت إلى بيت عائلته. فالمحكمة العليا لا تعتقد أنه ينبغي انتظار التجريم ولو تظاهرا على الأقل. ولماذا يُحاكم؟ إن الجيش الإسرائيلي و"الشباك" قد حكما عليه وليذهب القانون وفصل السلطات إلى الجحيم.
وليذهب القانون الدولي أيضا إلى الجحيم وهو الذي يمنع هدم البيوت كوسيلة عقاب (المادة 53 من وثيقة جنيف الرابعة) ويمنع معاقبة ناس بسبب فعل نفذه غيرهم (المادة 33 من الوثيقة والمادة 50 من احكام لاهاي). دعونا من لاهاي وجنيف، ودعونا من المحكمة العليا وهذه المؤسسات التي لا صلة لها بالواقع، ففي مناطق الاحتلال الإسرائيلي سيد واحد فقط يجوز له أن يفعل كل شيء. ومن الحقائق أن المحكمة العليا تُمضي الامر.
إن المحكمة العليا تُمضي تقريبا كل نزوة لجهاز الامن. وقد تهرب قضاتها سنين من بت أمر اعمال التعذيب ولم يتجرأوا قط على إبداء رأي في قانونية المستوطنات، ووافقوا دائما تقريبا على اعمال الطرد والاعتقالات الادارية وهدم البيوت. وهم يستلون دائما الذريعة الدورية وهي أن هدم البيوت ليست خطوة عقاب بل خطوة "ردع" (برغم أن لجنة عسكرية عينها موشيه يعلون حينما كان رئيسا لهيئة الاركان قضت في 2005 بأن الهدم لا ردع فيه تقريبا وأن ضرره يفوق فائدته). ولا يعتبر قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية الهدم أيضا عقابا جماعيا – فالعائلة تعاني بسبب سجن المُدان كما قضوا في الماضي – والقانون الدولي يخضع في المناطق لشيء أجلّ في نظرهم هو المادة 119 من احكام الدفاع في أوقات الطوارئ منذ أيام الانتداب البريطاني.
إن قضاة القدس حينما يجلسون في هيئة المحكمة العليا يفترض أن يبحثوا في شؤون يرون فيها حاجة إلى "المساعدة من أجل العدل" (القانون الأساس: المحاكمة). لكن لا يحتاج لا إلى مساعدة ولا إلى عدل في شؤون الاحتلال، فتكفي تلك التي تقدمها سلطات الاحتلال عن افضالها الجم. فبيت شقيق عوض كأنه بيته، وزوجته وأبناؤه مذنبون ولهذا سيُهدم بيتهم عليهم. والرسالة نفس الرسالة المثيرة للكآبة والمخيفة سواء كان ذلك بلغة حشين الشعرية أم باللغة البيروقراطية لمريام ناؤور ويورام دانتسيغر وأوري شوهم. فتابعوا الاحتلال والعقاب والسلب والتنكيل، فالمحكمة العليا من ورائكم.
هذه أيام مظلمة. إنها أيام ألم وكراهية وتهييج وانتقام وتحريض. وهذه هي الأيام التي تحتاج فيها إسرائيل بالضبط للمحكمة العليا، لكن المحكمة العليا لا تأتي بل لا تهاتف. اعتيد في هذا البلد وفي العالم أن يُهتف باسمها بل تجرأ اليمين الإسرائيلي بوقاحته على أن يُعرفها بأنها يسارية، كما عرف الاعلام في إسرائيل على نحو ساخر وهو الذي يكتب في هذه الايام فصلا بائسا آخر في تاريخه. إن المحكمة العليا هي وجه إسرائيل الجميل المستنير، لكن لا يُحتاج مع مثل هذا الوجه إلى ذلك الوجه القبيح الذي يُسفر الآن في شوارع القدس. إن الزعران يشاغبون في الشوارع وسجل لعصابة اليهود أمس آلاف الاعضاء في الفيسبوك. وأي الفريقين أسوأ: الغوغاء الذين يشتهون الانتقام أم مُحللوا الانتقام في دار العدل؟.

التعليق