صلاة التراويح: تهذيب للنفوس وتزكية للقلوب

تم نشره في الأحد 6 تموز / يوليو 2014. 12:05 صباحاً
  • صلاة التراويح، أهم ما يميز ليالي الشهر الفضيل بما تضفيه على أجواء الصيام من سكينة وطمأنينة - (تصوير: محمد مغايضة)

لعلّ أكثر العبادات التي تميّز ليالي الشهر الفضيل، صلاة التراويح، بما تضفيه على أجواء الصيام من سكينة وطمأنينة، ولما لها من واحة أجر وثواب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه". إذ تفتح صلاة القيام باب المغفرة واسعاً، إذا ما أدّاها القائمون وفق أركانها وشروطها. 
ويحرص الصائمون كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، شبابا وشابات، على تأدية صلاة التراويح، لِما فيها من تهذيب للنفوس، وتزكية للقلوب.
وقيام رمضان في جماعة مشروع سَنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يداوم عليه خشية أن يفرض، كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثرهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصٌلِّي بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عَجَزَ المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف عليَّ مكانكم، ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك.
وحثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قيام رمضان، وبقيت هذه السنة دائبة في حياة المسلمين إلى يومنا هذا، وفي هذا نداء لجميع المسلمين بأن يحيوا سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام وألا يتهاونوا فيها ولا يتشاغلوا عنها بما لا فائدة منه، فقد قرن صلى الله عليه وسلم بين الصيام والقيام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرمضان من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وعن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل فرض صيام رمضان، وسننت قيامه فمن صامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وقد ذكر الله تعالى الذين يُصلُّون صلاةَ الليل فقال تعالى:"وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا" [الفرقان:64]. وقال تعالى:"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [السجدة: 16،17].
ويلفت أستاذ الشريعة الإسلامية في مدارس الأصالة والمعاصرة د. عامر القضاة إلى أن صلاة الليل في رمضان مدرسة في التهذيب والتزكية للروح والنفس، فقيام الليل جوهر المؤمن وسجوده قربٌ من مولاه لقوله تعالى:(ومن الليل فتهجد به نافلة لك)، والصلاة خطاب العبد لربه يسأله ما يريد ويرجوه ما يتمنى، فمحرابك موطن سجودك طريق للجنة بل لرفقة النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود).  
وتستمر صلاة التراويح من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقيامها في آخر الليل أفضل من قيامها في أوله لمن تيسر لهم، لقول عمر رضي الله عنه: "والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون".
ويذهب استشاري الفقه الإسلامي د. مصطفى إسعيفان إلى أن قيام الليل شرف المؤمن وسهام الليل التي لا تخيب، ذلك أن الدعاء في ساعات الليل الأخيرة مجاب محقق بوعد الله تعالى، وندائه للناس وقتذاك: هل من داع فأستجيب له! هل من سائل فأعطيه! فكيف لو كان ذلك في ليالي رمضان الغالية.
أما عدد ركعاتها، فإنّ أفضل القيام في رمضان وغيره إحدى عشرة ركعة، وهو ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم، كما صح عن عائشة رضي الله عنها وقد سئلت: كيف كانت صلاته صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً؛ فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً".
وليس هناك حد لعدد ركعات القيام في رمضان، فللمرء أن يقيمه بما شاء، سواء كانت صلاته في جماعة أو في بيته، ولكن يستحب لمن يصلي مع جماعة المسلمين أن ينصرف مع الإمام ويوتر معه، لحديث أبي ذر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة".
ويذهب المشرف العام على موقع الإسلام اليوم د. سلمان العودة إلى أن الصلاة عمومًا - بما في ذلك النافلة- إنما شرعت؛ لتهذيب النفوس، وتصفية القلوب وتطهيرها من الحقد والحسد والبغضاء، وجعلها متآخية متحابة متقاربة، وهذا من أعظم مقاصد العبادات، وهذا أمر ملحوظ؛ فإن العبد إذا أقبل على صلاته رقَّ قلبه، وسمت نفسه، مبينا أنه ينبغي مراعاة حال الناس في شأن صلاة التراويح، وليس الأصل أن يفرض العامة على الإمام عدد صلاة التراويح، وإنما يراعى حالهم؛ إزالة للمشقة، ودفعًا للخلاف بين المصلين.

التعليق