إنتاج النفط العراقي وصادراته تتركز جلها في جنوب البلاد

القلاقل في العراق تلقي بظلالها على الأسواق العالمية

تم نشره في الاثنين 7 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً
  • منشأة نفط عراقية في مدينة البصرة جنوب بغداد - (ارشيفية)

لهب عطا عبدالوهاب*

عمان- يساور العديد من المتعاملين في السوق النفطية درجة كبيرة من عدم اليقين تعززها هواجس من انقطاع الإمدادات النفطية لا سيما بعد سقوط محافظتي نينوى وصلاح الدين بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام "داعش"، لا سيما وأن "الثوار" يحكمون من قبضتهم ومحاصرتهم لمدينة بيجي التي تضم أكبر مصفاة للنفط في العراق، والتي تقع على بعد نحو 180 كيلومترا إلى الشمال من بغداد؛ إذ تبلغ طاقتها الإنتاجية 310 آلاف برميل يوميا، أي أنها تمثل نحو ثلث طاقة إنتاج المصافي العراقية.
ويحتل العراق اليوم المرتبة الثانية من حيث الإنتاج داخل أوبك بعد السعودية مباشرة وعند معدل 3.3 مليون برميل يوميا، وهو يتطلع الى زيادة إنتاجه الى 6 ملايين برميل يوميا من خلال ما يعرف بـ جولات التراخيص التي تمكنه من الاستعانة بالخبرات التقنية والفنية للشركات الأجنبية، وذلك بحلول العام 2020.
ونظرا لأهمية العراق النفطية ولما يتمتع به من احتياطيات مؤكدة Proven Reserves وصلت في مطلع العام 2014 عند 143 مليار برميل ما يضعه في المرتبة الثالثة بعد السعودية وإيران، فإن القلاقل التي يشهدها والتي تنذر بحرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ " كل ذلك دفع بالأسعار المرجعية للنفط الخام في بورصتي نيويورك ولندن للارتفاع الى مستويات قياسية تراوحت بين 105 و115 دولاراً للبرميل، وهو الأعلى له منذ ما يزيد على تسعة أشهر.
وما يزيد الطين بلة، قدر تعلق الأمر بالثروات الطبيعية للبلاد خاصة النفط الخام والغاز الطبيعي، هو أن جل الاحتياطيات المعروفة من الوقود الأحفوري وفقاً للدراسات المنشورة لبيوت الخبرة العالمية تؤشر إلى حقيقة مفادها أن النفط والغاز يتمحور حول حزام محاذي للمنطقة الشمالية الشرقية والجنوبية من البلاد مع شح واضح في المنطقة الغربية (ذات الغالبية السنية).
وتضيف هذه الدراسات أن لدى العراق (9) حقول عملاقة جداً Super Giants (ذات احتياطيات تزيد على 5 مليارات برميل) بالاضافة إلى (22) حقلاً عملاقاً (ذات احتياطيات تزيد على مليار برميل). وتستأثر الحقول العملاقة في جنوب وجنوب شرق البلاد ما يتراوح بين 70 و80 بالمائة من الاحتياطيات المؤكدة للبلاد في محافظات ذات غالبية شيعية منها البصرة والناصرية والديوانية وكربلاء والنجف والعمارة والسماوة والكوت تكاد تكون جميعها مغلقه مع بعض الاستثناءات للتواجد العربي السني خاصة في البصرة (الزبير) والناصرية (حيث عشيرة السعدون المعروفة). في حين تستأثر المنطقة الشرقية قرب كركوك والموصل بحوالي 20 % من الاحتياطي المؤكد.
الجدير بالذكر أن إنتاج النفط العراقي وصادراته تتركز جلها في جنوب البلاد، لا سيما في محافظة البصرة حيث الحقول المنتجة العملاقة (الرميلة والقرنة والزبير) والتي ما تزال تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار؛ إذ لم تشهد أي توقف ذي شأن بل إن موانئها وأرصفتها البحرية تصدر يوميا أكثر من 2.2 مليون برميل أو ما يعادل 80 % من إجمالي صادراتها.
إن ما يثير قلق المراقبين هو التوقف الكلي المفاجئ للإنتاج، لا سيما وأن حقول الشمال (كركوك) ذات طاقة إنتاجية تصل الى 400 الف برميل يوميا والتي تصدر للخارج عبر ميناء جيهان التركي متوقفة حاليا عن العمل بسبب الأعمال التخريبية التي طالت العديد من مرافقها. وتخضع محافظة كركوك اليوم لسيطرة "قوات البشمركة" الكردية بعد انسحاب الجيش العراقي منها، وكما هو معروف فإن محافظة كركوك تعد من المناطق المتنازع عليها وهي بانتظار عودة المهجرين إليها انتظارا للتطبيع، ما يمهد للتعداد السكاني ومن ثم الاستفتاء والذي سيقرر مصير المحافظة وفقا للمادة 140 من الدستور العراقي للعام 2005.
الى ذلك، تمكن الأكراد مؤخرا من ربط صادراتهم بأنبوب النفط التركي -بدون الحاجة للمرور بأنبوب النفط العراقي- وصولا الى ميناء جيهان على ساحل البحر المتوسط بعد أن كانت وسيلتهم الوحيدة للتصدير هي الصهاريج. وقد أثار هذا التصرف حفيظة الحكومة الاتحادية في بغداد والتي ترى أن تصدير النفط يقع ضمن صلاحياتها الحصرية، وأن الجهة الوحيدة التي يقع على عاتقها التصدير، هي شركة تسويق النفط العراقية (سومو).
وفي حال توقف الإنتاج العراقي كليا -وفق أحد السيناريوهات المتداولة- سيعني ذلك فقدان الأسواق لكميات من النفط الخام يصعب تداركها لا سيما مع التوقف شبه التام للإنتاج الليبي، ناهيك عن مشاكل الإنتاج في نيجيريا المنتج الأكبر للنفط في القارة السوداء -والتي تعاني هي الأخرى من حركة تمرد لمتشددين إسلاميين "بوكو حرام"- وفنزويلا. وفي هذه الحالة ستلقى المسؤولية على عاتق الدول النفطية الخليجية وبالذات السعودية والكويت ودولة الإمارات لما تتمتع به من طاقات إنتاجية فائضة Spare capacity بما يمكنها من تعويض النقص في الإمدادات في فترة زمنية قصيرة. ومن الخيارات الأخرى المتاحة اللجوء الى مخزون الطوارئ للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية IEA بما في ذلك تفعيل الولايات المتحدة لمخزونها الاستراتيجي والذي يعد الأكبر عالميا عند 700 مليون برميل.
إن الضبابية التي تلف المشهد العراقي في ظل غياب الإجماع الوطني بما يفضي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كافة الأطياف والاثنيات المتصارعة تحت خيمة المواطنة وبانتظار "طائف جديد" للم شمل الأفرقاء المتخاصمين؛ إذ عملت المحاصصة الطائفية والسياسية التي أضحت ديدن العملية السياسية منذ الاحتلال الأميركي للبلاد العام 2003 على غياب الهوية الوطنية العراقية الجامعة التي كانت آخذة بالتبلور منذ قيام الدولة العراقية الحديثة العام 1921 وإرساء النظام الوطني تحت راية الملك الهاشمي فيصل الأول بن الشريف حسين بن علي، وإن كان بدرجات متفاوتة. وقد أفضت الانتخابات البرلمانية إلى تبلور نهج يتم بمقتضاه توزيع المناصب وفقاً للانتماءات القومية والمذهبية، ويخشى أن تتحول رويداً رويداً إلى عرف أسوة بالنموذج اللبناني (إذ القاعدة هناك حسب الميثاق الوطني للعام 1943 أن يكون رئيس الجمهورية من الطائفة المارونية ورئيس الوزراء من الطائفة السنية ورئيس مجلس النواب من الطائفة الشيعية).
وفي "العراق الجديد" أفرزت الانتخابات الأخيرة التي جرت في آذار (مارس) 2010 تكريساً للسياسة الطائفية السائدة؛ حيث توزعت الرئاسات الثلاث على النحو الآتي:
- رئيس الجمهورية من نصيب الأكراد (جلال طالباني).
- رئيس الوزراء من نصيب العرب الشيعة (المالكي).
- رئاسة البرلمان من نصيب العرب السنة (أسامة النجيفي).
وتواجه حكومة المالكي (الثالثة)! تحديات جمة منها تحقيق المصالحة الوطنية بين فئات المجتمع العراقي كافة بدون تهميش أو اقصاء، والعمل على إعادة النظر في العديد من المواد الدستورية خاصة ما يتعلق بالموارد الطبيعية، ناهيك عن تحقيق الأمن والسلم الأهليين بما يعجل من انطلاق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة.
فالخلاصة أن أسواق النفط ستبقى عرضة للتقلبات الحادة لا سيما مع اقتراب "داعش" من المراكز النفطية الرئيسية في الشرق الأوسط، ما قد يعرض التدفق الآمن للإمدادات للخطر.

التعليق