"المزاج في النصّ الأدبي".. كتاب نقدي جديد لوليد أبو بكر

تم نشره في الثلاثاء 15 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب -(من المصدر)

عمان- الغد - صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، كتاب نقدي جديد للروائي والناقد الفلسطيني وليد أبو بكر، بعنوان "المزاج في النص الأدبي، ومخاطر التطبيع في السرد الفلسطيني"، وفيه محاولة تنظير لمصطلح أدبي حديث، لم يكتب فيه كثيرا، رغم أهميته في النص الأدبي، وخصوصا في السرد، لأن النقد الحديث يرى فيه السرّ الذي يقف وراء التوصيل الصادق لمقولة الكاتب إلى قارئه، وهي المقولة التي تكون مضمرة في ذهن الكاتب، حين يشرع في كتابة نصه، سواء أكان واعيا لذلك، أم أن الأمر يصدر، بسبب ثقافة ما، خارج نطاق وعيه.
ويناقش الكتاب ثلاث مقولات أساسية وهو يهدف إلى تلخيص وجهة نظره في النتائج التي يتوصل إليها، عند النظر في أكثر من عشرين عملا سرديا فلسطينيا، بحثا عن تطبيق لموضوع المزاج الأدبي عليها، سلبا أو إيجابا.
تبدأ هذه المقولات بالموضوع الرئيسي للكتاب، وهو موضوع "المزاج"، الذي يناقشه نظريا وبعمق، رغم ندرة المصادر التي تتحدث عنه. ويشير الكاتب إلى أنه لم يجد مصدرا واحدا، عربيا ولا أجنبيا، مخصصا لمثل هذا الموضوع، ولذلك كان اعتماده الأساسي على بعض ما ورد حوله في ملاحظات بعض الكتاب المعروفين، مثل الأميركي جون شتاينبك، وعدد من مدرسي الإبداع الأدبي، وما كتبوه من "توجيهات عملية"، على شكل مقالات، في مجلة الكاتب التي يصل عمرها إلى قرن ونصف القرن، أو في الكتب التي صدرت عنها، بأقلام كبار مدرسي الإبداع ونقاده.
ويحاول الكتاب، في دراسة تتسم بالحذر الشديد، تحديد معنى "المزاج الأدبي" كمصطلح غير متداول كثيرا حتى الآن، وذلك من خلال تفصيلات دقيقة، تدخل في لب الموضوع الشائك، الذي يختلط مدلوله في النقد الأدبي مع المدلول النفسي الذي كان أسبق، كما أن خلطا يحدث بينه وبين "النغمة"، وهي مصطلح نقدي آخر، يتصل بالمقولة النهائية للعمل الروائي (الناجح طبعا)، التي تشتقّ من مجمل هذا العمل.
ويتوصل الكاتب (ويرسم تخطيطا أيضا) إلى أن من الضروري التفرقة بين المصطلحين: فالمزاج، من وجهة نظره، يتعلق بالتفاصيل المستقلة للمشهد الذي يجري تصويره، بشخصياته، وأحداثه، ولغته، وهي تفاصيل يفترض أن تكون منسجمة بشكل كلي، لأن أي شذوذ في أيّ منها يجهض المشهد كله، ويؤثر في النغمة بعد ذلك، باعتبارها محصلة التفاعل بين المشاهد المختلفة.
ويرى الكاتب، في تنظيره، أن الخلل في المزاج قد يبدأ باستخدام كلمة واحدة في غير مكانها، ثم يتحرك إلى "انتهاك" مشهد، ولكنه قد ينتهي إلى أن يشوه موقف العمل الأدبي بكامله، حتى دون وعي من الكاتب في بعض الأحيان، لأن الخلل في فهم "الواقعية" أو "الموضوعية" داخل النص الأدبي، يخلط بين ذلك ومثيله في الواقع، وهو أمر غير صحيح، لأن النص الأدبي له واقعه المتخيل، الذي يختلف عن الواقع الحقيقي، والذي غالبا ما يكون أكثر منه "تنظيما"، لأنه يقوم على الاختيار وإعادة الترتيب.
ولأن خط السير في "المزاج الأدبي" هو الذي يحمل فكرة العمل الأدبي، ويتسلل بها إلى ذهن القارئ، فإن الكتاب يخصص جزءا من الدراسة لموضوع "وجهة النظر"، كمصطلح أدبي معروف، ويرى أنه في النقد الغربي يعني موقع الراوي الذي يسرد الحدث، أو "نقطة" النظر إليه، لكن "معناه" في اللغة العربية أعمق، لأنه يطال الفكرة، إضافة إلى الموقع أو الزاوية أو النقطة، وهو بالتالي يكون مرتبطا بموضوع المزاج بشكل أكثر قوة.
ويشير الكتاب إلى أن الخلل في التعامل مع المزاج، أو في خرقه، قد يكون وراء الفشل الذي يصيب بعض الأعمال الأدبية، بسبب الرفض اللاشعوري للملتقي، الذي يسببه غياب التوازن في المزاج، لكنه يرى أن ذلك يكون أخفّ الإضرار التي تلحق بالكتابة، لأن الخلل في المزاج ـ حين يتسع ـ يخرج بمقولة النص عن سياقه، وقد يصل به إلى عكس ما يراد به، وهو ما يوصل، بالنسبة للسرد الفلسطيني خصوصا، إلى الوقوع في أسوأ ما يمكن أن تقع فيه النصوص: وهو التطبيع الثقافي.
وبسبب حساسية موضوع التطبيع، خصص الكتاب مساحة واسعة منه لتوضيح مفهومه عنه، واستند في ذلك إلى بعض المصادر القليلة التي عالجت هذا الموضوع، خصوصا على المستوى الثقافي، الذي يراه أخطر مستويات التطبيع، كما استند إلى مقرّرات المؤتمرات التي عقدت ضد التطبيع، وآراء اللجان التي تعمل على مقاومته.
وفي الجزء الذي يمكن اعتباره "تطبيقيا" من الكتاب، تابع الكاتب موضوع "الخلل" في المزاج داخل عدد من النصوص السردية الفلسطينية، حتى وصل إلى قمة ذلك الخلل، الذي اعتبره نوعا من التطبيع الثقافي، سواء أكان يجري وفق غياب الوعي بذلك، من قبل الكاتب، أو وفق رؤية مسبقة لمثل هذا الموقف.
وقد استند هذا الجزء على النصوص وحدها، وحاول أن يجد ما يوازيها، بين ما تجنب هذا المنزلق، من نصوص فلسطينية أخرى، ليوضح أن "التصوير الواقعي" في الأدب، لا يعني بالضرورة الانحياز إلى أي إنجاز للاحتلال، ولا إلى الدعوة للاستسلام، وقبول الهزيمة، أو التعايش، أو بناء "علاقات" من أي نوع، في ظلّ عدوان المستمرّ للاحتلال، وفي غياب اعترافه بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني على أرضه المحتلة، لأن الكتابة اختيار يعزز موقفا، وليست تصويرا لواقع، يجعل المغلوب يعجب بما يقوم به الغالب، ولأن الأمور، من وجهة نظر وطنية استراتيجية، مؤقتة تماما.
وبدا واضحا أن موضوع المزاج الأدبي، وما يمكن أن يقود إلى مستويات متفاوتة من التطبيع، ظل يشغل ذهن الكاتب، منذ فترة طويلة، يدل على ذلك ما ألحقه بكتابه من "ملاحق"، هي مجموع ما سبق أن نشره على شكل مقالات في الموضوع نفسه. وهي وإن كانت كل واحدة منها مخصصة لعمل بعينه، أو لحدث بعينه، إلا أنها كانت في مجموعها تمهد للفكرة الأساسية التي كرّس لها الكتاب.
في الكتاب، كما يبدو، جهد كبير لتوضيح موضوع جديد، ما يزال بكرا في الدراسات الأدبية، وهو جهد يعتبره الكاتب فاتحة أولى، عمل فيها بموضوعية وصدق، ويتمنى أن يكمل العمل فيها من يستطيع أن يضيف.

التعليق