المسافة المدمرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين

تم نشره في الأربعاء 16 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً
  • جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل لعزل الفلسطينيين - (أرشيفية)

إيثان برونر* - (النيويورك تايمز) 11/7/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بعد أيام من اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في العام 1995 على يد يهودي إسرائيلي معارض للتسوية مع الفلسطينيين، عقد القائم بأعمال رئيس الوزراء حينذاك، شيمون بيريس، مؤتمراً صحفياً. وفيه سئل عن السبب في أنه لم يقم بالمزيد من أجل حماية السيد رابين من أناس مثل الذي اغتاله، ييغال عمير. وأجاب السيد بيريس بأنه لم يخطر على بال أحد في السلطة أبداً أن يهودياً يمكن أن يقدم على هذه الفعلة.
كنت حاضراً في ذلك المؤتمر، وكثيراً ما فكرت في تلك الحادثة خلال هذه الأسابيع الأخيرة، بينما كان الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يهبط إلى درك النزاع الدموي البشع. فبعدما اختطف ثلاثة مراهقين إسرائيليين في الضفة الغربية بينما كانوا في انتظار سيارة تقلهم إلى منازلهم في الشهر الماضي، استغلت القوات الأمنية الإسرائيلية التي كانت تبحث عن الإسرائيليين الثلاثة الفرصة لاعتقال المئات من الفلسطينيين المرتبطين بحركة حماس. وجرى الحديث على نطاق عام في صفوف الفلسطينيين عن كون الاختطاف اختراعاً تم استخدامه لخلق مسوغ لهذه الحلقة الأحدث من القمع، أو أن اليهود أنفسهم هم الذين نفذوا عملية الاختطاف. وقبل أسبوع ونصف الأسبوع، وبعد اكتشاف جثامين الثلاثة، وبعد اختطاف مراهق فلسطيني وإحراقه حياً على يد متطرفين إسرائيليين في عمل انتقامي، ادعى العديد من الإسرائيليين بأن إحراق الفتى هو عمل يستحيل أن يكون يهود قد اقترفوه. وقالوا إن التعذيب العنيف هو ما يفعله المسلمون مع بعضهم بعضا في حوادث قتل الشرف، وأن اليهود لا يستطيعون ارتكاب مثل هذه الأفعال.
كان الفيلسوف الفرنسي إيرنست رينان قد عرف الأمة ذات مرة بأنها "مجموعة من الناس الذين توحدوا بوجهة نظر خاطئة عن الماضي، وبالكراهية لجيرانها". وبينما ينطبق ذلك على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن إحساسي هو أن التدهور الذي نشهده ينجم عن شيء آخر -التباعد الإنساني المتنامي بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين كانوا يعرفون بعضهم بعضا عن قرب ذات مرة، وأصبحوا الآن غرباء حقيقيين.
حدث التغيير خلال الأعوام العشرة إلى الخمسة عشر الماضية، لأنه تم الشعور بأن الاختلاط تسبب في المشاكل، وبأن الشعبين يحتاجان إلى الفصل بينهما إذا قدر لهما أن يعيشا جنباً إلى جنب. وكانت النتيجة مع ذلك إهانة كبيرة للإنسانية، والتي سمحت بمقتل المراهقين الأربعة، وبتصاعد التوترات في غضون أيام لتصل إلى سلسلة الضربات الجوية الكارثية التي أفضت إلى قتل العشرات والهجمات الصاروخية التي شردت الآلاف.
خلال الثمانينيات والتسعينيات، كان عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة يعملون في إسرائيل. وقد تعلموا اللغة العبرية وبنوا علاقات مع جهات التوظيف الإسرائيلية. كانوا يشاهدون التلفزيون الإسرائيلي (حيث كان القليل غيره متوفراً) وطور العديد منهم إعجاباً حذراً بالسياسات الإسرائيلية والمساءلة العامة. وعندما تحدث الفلسطينيون عن بناء دولة، لم يكن من غير المألوف أن نسمع أعضاء من النخبة الفلسطينية وهم يشيرون إلى إسرائيل كنموذج. وقد شاهد هؤلاء الطبيعة الجريئة (والوحشية أحياناً) للخطاب العام في إسرائيل، فأحب العديد ما شاهدوه.
وفي المقابل، كان الإسرائيليون يغامرون بالذهاب في عطلات نهاية الأسبوع إلى الضفة الغربية، حيث يصلحون سياراتهم ويشترون الخضراوات والوجبات الخفيفة من أطباق الحمص الذي لا يضاهى. وكانوا يحضرون حفلات زفاف موظفيهم الفلسطينيين وأولادهم أيضاً. وذهب بعض الإسرائيليين والفلسطينيين إلى حد إنشاء أنشطة تجارية مع بعضهم بعضاً.
كانت العلاقة بين الشعبين بالكاد علاقة بين نظيرين. كانت لها طبيعة استعمارية لا تختلف كثيراً عن وضع الحدود الأميركية مع المكسيك. لكنه عندما لا يحضر الشخص الذي يصلح شرفة منزلك إلى العمل بسبب إغلاق الضفة الغربية ولا يستطيع أن يكسب، فإن حرمانه على هذا النحو كان يعني شيئاً ما بالنسبة لك كإسرائيلي. لقد عرفته، ووثقت فيه، وعرفت عن عائلته. وعندما كنت ترى، كعامل فلسطيني، والدة مستخدمك الإسرائيلي تمرض، فإنك تستوعب ألمه وعذابه. فقد عرفت تلك الأم وأحببتها.
عندما انهارت عملية سلام أوسلو في العام 2000 وتفجرت انتفاضة فلسطينية على الأثر، كانت الحكمة السائدة التي سرعان ما تطورت تقول إن الأمتين لم تكونا تحتاجان إلى مزيد من التقارب، وإنما إلى الانفصال التام. وقامت إسرائيل ببناء حاجز ومنعت معظم الفلسطينيين من الدخول (حيث استبدلتهم بآسيويين بتأشيرات مؤقتة)، وجعلت من غير القانوني على المواطنين الإسرائيليين دخول المدن الفلسطينية. وفي الأثناء، تفشت حركة بين ظهراني الفلسطينيين تهدف إلى قطع الاتصالات مع الإسرائيليين. ثم تطور ذلك ليأخذ اسم ما يعرف بالمقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، بهدف السعي إلى عزل إسرائيل دولياً.
وفي الأثناء، أفضى نمو القنوات التلفزيونية العربية عبر الأقمار الاصطناعية -الجزيرة والعربية ومحطة حزب الله اللبنانية، المنار- إلى توقف الفلسطينيين عن مشاهدة التلفزيون الإسرائيلي، وإلى الاقتران بازدياد بالعالمين العربي والإسلامي. واليوم، لم يعد في غزة أحد تقريباً يشاهد التلفزيون الإسرائيلي. وأصبح الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون العبرية أو يعرفون أي إسرائيليين كآدميين هم ذوو الأعمار الأكثر من 40 سنة. وبالإضافة إلى ذلك، سمح نمو الاقتصاد الرقمي العالمي لإسرائيل ببناء اقتصاد منفصل في جزئه الضخم عن الدول المحيطة به. وليست التجارة بين إسرائيل وجيرانها شيئاً يعتد به. إنها في الأساس اقتصاد مزدهر من الطراز الأوروبي، والمحاط بالفقر.
الآن، يستطيع الإسرائيليون -خاصة في قلب البلد حول تل أبيب وحيث يعيش ثلثا السكان- قضاء أسابيع عدة من دون مشاهدة فلسطيني أو الحاجة أبداً إلى التفكير بفلسطيني. وفي غزة، لا يوجد الإسرائيليون إلا في شكل نوع من الكابوس الجماعي. وباستثناء بضعة جيوب من الصناعة والتسوق حيث يجري توظيف الفلسطينيين، فإن التفاعل محدود للغاية.
في أوج جهود السلام، في عقد التسعينيات، بنى القادة الإسرائيليون والفلسطينيون المحشورون في غرف وهم يتفاوضون مع بعض، روابط مؤثرة، وطوروا شكلاً من الثقة الذي سعوا في حينه إلى نشره -وليس بنجاح دائماً- لشعبهم.
كان يوسي بيلين، الذي كان في حينه مسؤولاً إسرائيلياً، ومحمود عباس الذي أصبح فيما بعد رئيس السلطة الفلسطينية، قد صاغا خطة سلام معاً. وفي وقت مبكر من الألفية الجديدة، انضم المسؤول والمفكر الفلسطيني سري نسيبة إلى عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الأمن الإسرائيلي "شين بيت"، وجمعا مئات الآلاف من التواقيع الفلسطينية والإسرائيلية دعماً لحل الدولتين، وسافرا سوية لشهور، وانسجما مع بضعهما بشكل مشهود.
الآن، تتميز العلاقة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والسيد عباس بأنها واحدة محكومة بالمقت المتبادل، وفق مارتن إنديك الذي استقال في الشهر الماضي من منصبه كمبعوث أميركي لمفاوضات السلام بعد تسعة أشهر من الجهود العقيمة. وأصبح الجانبان وقادتهما غرباء كلية. كل يتفه الآخر ويتصور أن شعبه هو المتفوق أخلاقياً، والمكره على الدفاع عن نفسه ضد الضراوة الوحشية للجانب الآخر.
قبل جيل من الآن، كانت هناك العديد من الأسباب للتوتر والقلق. لكن الفلسطينيين المنكبين على بناء ما أملوا أنها ستكون دولتهم، والإسرائيليين الذين يعملون معهم، غالباً ما كان لديهم شعور محرك بهدف مشترك. وقد اكتشف البعض أنهم أحبوا بعضهم وتطلعوا قدماً إلى العمل سوية. لكن تلك الأحاسيس والمشاعر أصبحت اليوم ميتة فعلياً. وبينما لا يعد اختلاط الشعبين ترياقاً، فإن الفصل بينهما جعل الأمور أسوأ فقط.

*نائب محرر الشؤون القومية في صحيفة نيويورك تايمز، والرئيس السابق لمكتب الصحيفة في القدس.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A Damaging Distance

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق