لا توجد كلمة واحدة عن جرائم حرب

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً

هآرتس

جدعون ليفي

لنفرض أن كل شيء أصبح على هيئتهم وعلى صورتهم، ولنفرض أن الدولة صارت تبدو كما يريدون – إنني أشك كثيرا في أن يريدوا العيش فيها. وأنا أكتب "هم" لأنني لا أعرف كيف أُعرّفهم، فلم يعد الأمر منذ زمن أمر اليمين المتطرف والمعتدل فقط، ولا أمر الوسط واليسار – الوسط فقط، ولا أمر الجموع، بل صار الأمر أمر الجميع تقريبا. إن روحا سيئة تغطي الآن الجميع تقريبا هي روح عصر إسرائيل الحقيقية في 2014. فاذا سيطرت سيطرة كاملة كما تبدو الامور الآن فلن يريدوا أن يعيشوا في إسرائيلهم الجديدة هذه التي هي من صنع أيديهم.
لن تحتمل دولة إسرائيل الجديدة بعد الآن كل رأي شاذ وكل فكرة بديلة. ولن نذكر أفكارا دسائسية بل إن اثارة اسئلة يسألها قليلون ستُحظر حظرا باتا. سيتحدث الشعب في جوق، في جوق فقط موحد كجوق الجيش الاحمر. وسيتحدث الاعلام أيضا بصوت واحد متلو مباشرة من أوراق رسائل يمليها عليه متحدثو الحكومة والجيش.
ليس كل ذلك حلما فقد اصبح هذا الكابوس حاضرا هنا. إنه مقولة "هدوء، يطلقون النار" في زمن الحرب وفي زمن الهدوء أيضا. وسيكون النقد محصورا في مجالات واضحة، فيجوز انتقاد الزحام في الفصول الدراسية وأسعار جبن الكوتج وأرباب المال وأسعار القهوة في مطار بن غوريون. ويجوز أيضا انتقاد المسرح والسينما، وكل ذلك في حدود الذوق الحسن بالطبع. وتباح تحقيقات عن رؤساء البلديات ومطربين أخفوا الضرائب وساسة أقالوا مساعدات بيوتهم، لكن لا كلمة عن جرائم حرب. وستكافح الصحف المقاتلة حوادث الطرق لكن من المعلوم أنها لن تكافح تعليمات اطلاق النار. ولا بأس في الحديث عن عائلات الجريمة، أما جرائم الاحتلال والمستوطنات والاستيطان فهي خارج المجال. وسيكون التنبؤ بحالة الجو حرا من كل رقابة.
تتغير الصورة في زمن الحرب بالطبع: فالمدافع تهدر ولا يجوز الآن حتى القرقرة. ويجوز انتقاد الجيش وجهاز الامن لكن من جهة واحدة فقط: لماذا لم ندع الجيش الإسرائيلي ينتصر، ودعوه "ينهي العمل"؛ ويضربهم ضربا قويا ويقصفهم ويسحقهم أكثر ويحتل أكثر ويقطع الكهرباء ويقوي الحصار ويزيد القتل والألم والدمار بقدر المستطاع؛ وتعظيم بطولة الجنود وإكثار الحديث عن جرأة الطيارين. واعادة العرب إلى العصر الحجري واعادة غزة إلى العصور الوسطى. إن هذا يجوز. وقول إن هذا الجيش هو الأعظم اخلاقا في العالم ينبغي الاكثار منه بقدر المستطاع، أما الشك في ذلك فمحرم. ويجوز أيضا أن تُظهر نفسك بمظهر الضحية بلا تحديد. وأن يُنصب الجهل هدفا وطنيا، وأن تُخرَج صحيفة "هآرتس" خارج القانون.
سيكون من المحرّم في إسرائيل الجديدة وصف معاناة الطرف الآخر، ويُسمح في الأكثر بصور رورشاخ من غرفة الطيار دون وجه ودون دم. فأما الاشارة الخفية إلى عدالته فتستتبع السجن؛ وأما العطف على ألمه فخيانة مقرونة بعقابها. وينبغي إلى أن ينشأ حكم بالإعدام – وقد أصبح قادما – الحكم بالسجن المؤبد أو ربما بالرجم في الميدان العام كما تريد الأكثرية. وتريد الأكثرية أيضا احتلال غزة وضرب ايران، والتبول على القانون الدولي وطرد اعضاء الكنيست العرب وكل عرب إسرائيل وكل اليساريين. وسيكون مطلبهم، فإسرائيل الجديدة لن تشمئز من كل ذلك. وستصبح أكثر تدينا أيضا مثل دولة شريعة يهودية: فقد صارت توجد أدلة على حرب مقدسة في سبيل الله في غزة الآن. وستبقى اللوطية أمرا مباحا فهي صالحة للسياحة، لكن شتيمة "خلقة لوطي" ستتوج باعتبارها الشتيمة الرسمية. وسيصبح جهاز القضاء الجديد صادقا مع نفسه آخر الامر فيكون قانون لليهود وقانون آخر للعرب حتى في سفر القوانين لا في المحاكم فقط.
ستصبح إسرائيل الجديدة منبوذة حقا في العالم. وستختفي تماما بقايا مشايعتها الأخيرة التي من جملة البواعث عليها اصوات المعارضة التي ما زالت تصدر منها. إن الامر صغير علينا، فأميركا في جيبنا وحتى إن لم تكن فليس ذلك فظيعا. ستصبح إسرائيل دولة حصار يهودي، يهودي تماما دون عرب ودون يساريين ودون صحف ودون نقد. فقولوا الآن بصدق هل تودون العيش فيها؟ لقد أصبحت موجودة هنا تقريبا.

التعليق