تأمّل رحمة الله

تم نشره في الأحد 20 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً
  • لا يَقْنَط المؤمن من رحمة الله التي وسعت كل شيء - (أرشيفية)

يستقبل المؤمنون في كل زمان ومكان فريضة الصوم في شهر رمضان استقبال عبودية وامتثال؛ لأنهم يدركون مدى الرحمة الإلهية في هذه الفريضة الشريفة، التي يجدونها في قلوبهم، وأبدانهم، وحياتهم كلها، ولسان حالهم يقول: الصيام رحمة فيجب أن نتراحم، والصيام محبة فيجب أن نتحاب، والصيام رفع لدرجة الإنسانية إلى مرتبة الملائكية، قيل للأحنف بن قيس: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك. فقال: إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه".
وبهذه الرحمة تهب رياح العطف، والرأفة، والإحسان، والكرم على الصائمين، ومن لا يستشعر الرحمة الإلهية في فريضة الصوم لا يمكنه أن يحس بالرحمة تجاه الآخر، بل إنه يشاهد عليه في أقواله، وأفعاله، وأحواله ما يدل على مدى القسوة، والجفوة، والغلظة التي تُغَلِّفُ حياته.
ومن المظاهر الربانية الرحيمة التي تحيط بفريضة الصوم، والتي يستشعرها المؤمنون الصائمون، ويتفيؤون ظلالها في شهر رمضان المبارك: أن الله تعالى أمر بالجنة ففتحت، وبالنار فأغلقت، وبالشياطين فصفدت، وإن لهذا المظهر الكريم من مظاهر الرحمة الربانية المباركة معاني كثيرة يستشعرها المؤمنون الصائمون وهم يتنسمون شذى هذه الرحمة، وما يُغدق الله تعالى عليهم فيها من النفحات، والبركات.
ولقد كان إمام المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم جواداً كريماً، وكان أجود ما يكون في رمضان، وأجود بالخير من الريح المرسلة، وكان جوده صلى الله عليه وسلم بجميع أنواع الجود من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم، وتعليم جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، والرفق بهم، والإحسان إليهم، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل على هذه الخصال الحميدة منذ نشأته، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتكاملت، وتضاعفت أضعافاً كثيرة.
والمؤمن بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالإسلام دينا، لا يحرك لسانه بكلمة من المنكرات؛ كالغيبة والنميمة والكذب والقذف والفسق والسخرية والاستهزاء ونحو ذلك ولا يستعمل عضواً من أعضائه في عمل ليس بحلال، بل يكف بصره وسمعه ويده ورجله عن المحرمات لأنه يؤمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا مهما تخفى وتستر العبد عنه فإنه يراه.
ولا ييأس المؤمن من زوال شدة مهما استحكمت فإن الفرج بيد الله الذي قال وقوله الحق:"فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، ولا ييأس من حصول خير مهما ابتعد، لأنه يؤمن أن الأمر بيد من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
ولا يَقْنَط المؤمن بالله كما لا يُقنط مؤمناً من رحمة الله التي وسعت كل شيء وإن كانت ذنوبه أمثال الجبال والرمال، لأنه يُدرك أن الله جلّ وعلا يغفر الذنوب جميعاً وأنه له الحجة البالغة وأن القلوب بين إصبعين من أصابعه سبحانه.
لذلك كله ينبغي أن تحمد الله سبحانه على نعمه الكثيرة؛ فبالشكر تدوم النعم، وبالكفر تزول، كما ينبغي أن تعرف:
1 - أن نعم الله كثيرة جداً على كل إنسان، لا يمكن أن تعد، يقول سبحانه:"وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا"، كنعمة الإيمان، والعقل، والسمع، والبصر والصحة، والولد، والمال، بل إن في كل خلية من خلايا جسمك نعماً كثيرة لا تكاد تحصى.
يحكى أن رجلا فقيراً شكا لأحد العلماء فقره، وأن الله لم ينعم عليه بشيء، فأجابه قائلاً: أتبيع بصرك بمائة ألف؟ قال: لا، قال أتبيع سمعك بمائة ألف؟ أتبيع يديك بمائة ألف؟ أتبيع رجليك بمائة ألف؟ أتبيع عقلك بمائة ألف؟ وهو يقول لا، فقال له: تشكو الفقر وأنت تملك مئات الآلاف!!! فعلم الرجل أن النعم غير المالية أعظم من نعمة المال، وأن نعم الله لا تعد ولا تحصى.
2 - أن النعم ابتلاء وامتحان كلها، حتى ما كان ظاهره الجزاء والإكرام فهو في الحقيقة ابتلاء جديد،يقول تعالى:"فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا".
وقال تعالى:"وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ".
فلو كانت النعمة إكراماً لكان الرسل أغنى الناس، وأكثرهم أموال، ولما كان للكفار شيء في الدنيا.
اللهم إنّا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا ذنوبنا وهب لنا تقواك واهدنا بهداك ولا تكلنا إلى أحدٍ سواك واجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً اللهم اغننا بمعافاتك من عقوبتك وبرضاك من سخطك واحفظ جوارحنا من مخالفة أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

التعليق