منار الرشواني

الانتصار بالشعب وحده

تم نشره في السبت 26 تموز / يوليو 2014. 12:02 صباحاً

فيما تتصاعد أعداد ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والتي بلغت حتى ظهر يوم أمس 832 شهيداً وأكثر من 5200 جريح؛ كانت سورية تسجل رقماً قياسياً غير مسبوق في عدد الضحايا منذ اندلاع الثورة قبل أكثر من ثلاث سنوات، بلغ 1700 قتيل خلال الأسبوع الماضي وحده فقط. وفي الأثناء أيضاً، كان ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش" سابقاً)، القادم أعضاؤه من شتات الأرض، يهدمون أحد أعمدة العراق الحضارة، بتهجير المسيحيين الذين تمتد جذورهم في وطنهم إلى ما قبل التاريخ.
طبعاً، يمكن إيجاد علاقات ترابط كثيرة بين المآسي الثلاث وغيرها الكثير في العالم العربي؛ لاسيما وأن فلسطين شكلت قضية العرب المركزية، لكن تم باسمها ترسيخ الاستبداد وتدمير المجتمعات العربية، وبالنتيجة طبعاً ترسيخ الاحتلال الاسرئيلي والمعاناة الفلسطينية! وضمن ذلك، كان ضرورياً تماماً سفك الدماء وإهدار الكرامة العربية، بما في ذلك دماء الفلسطينيين وكرامتهم، على يد "المقاومة والممانعة" ذاتها!
مع ذلك، يظل الأهم، والواضح بما لا يحتمل التأويل، متمثلاً في وحدة السبب فيما تعانيه غزة وسورية والعراق اليوم تحديداً، وبالتالي وحدة الحل؛ وهو إقصاء الإنسان العربي واستعداؤه، في مقابل استعادته والاعتراف بحقوقه.
ففي غزة، ما عاد ممكناً ترداد ما كانت خرافة أصلاً بأن "حماس" هي محض حركة إرهابية، وأنها المسؤولة بالتالي، بشكل غير مباشر على الأقل، عن أرواح الفلسطينيين الذي يقضون بالنيران الإسرائيلية! هكذا، لم يعد من مجال، وفق أشد درجات الجرأة، الادعاء بأن نهاية معاناة هؤلاء المدنيين (أي الموت حصاراً بدل القتل بالصواريخ والقذائف!) تكون بنهاية "حماس" في القطاع. فالحقيقة أن الحركة ستكون بالنتيجة أقل الخاسرين (وهي خاسرة فقط بحكم اختلال ميزان القوى)، فيما أكبر الخاسرين حتماً هم من أرادوا استئصالها من العرب إذ أعلنوا، بملء إرادتهم، عدم قدرتهم على لعب أي دور فاعل بعد اليوم كوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وقد كان ممكناً عدم دفع كل تلك التكاليف لو تم تذكر الغزيين واستثمار مصلحتهم، وليس استغلال معاناتهم؛ فتم التفاوض مع "حماس" المحاصرة والمعزولة قبل العدوان، على تقديم تنازلات قاسية للسلطة الفلسطينية، مقابل إنهاء الحصار العربي عليها، والذي يبرر الحصار الإسرائيلي. وكان سيجني النظام الرسمي العربي بذلك شيئاً من رصيد شعبي، بدل تضييع أضعافه بما لا يحصى من المرات، بسبب العدوان الإسرائيلي.
والحال لا تختلف أبداً في العراق وسورية، فلو صدق النظامان هناك، بحرصهما على الدولة، لما استباحوا ركنها الأهم، وهو الشعب، سنينَ وحتى عقوداً. ولو صدقوا الآن فعلاً في محاربة الإرهاب بعد أن خلقاه بحكم سياساتهما على الأقل، لكانا وحدا صفوف الشعب في مواجهة الإرهابيين. لكنهما بدلاً من ذلك لا يقدمان للشعب في البلدين، إلا خيار الموت المحقق، وعلى الهوية المذهبية أو المناطقية حرفياً؛ فلا يبقى للشعب إلا القتال على جبهتي النظام و"داعش" في أحسن الظروف، إن لم يكن الانضمام إلى هذا التنظيم وأمثاله، كما يشهد على ذلك الواقع في البلدين العربيين، حيث تتزايد قوة كل التنظيمات المتطرفة. ولتكون النتيجة أنظمة قائمة، أو حتى صامدة كما يحب البعض القول، في دول منهارة وتكاد تتلاشى.
ليس مهماً كيف يوصف؛ ثورة أم مؤامرة، لكن "الربيع العربي" أعاد الأمور إلى منطقها: الشعب أو لا أحد، وسينتصر في النهاية من يكسب الشعوب.

التعليق