التفكير خارج الفقاعة

تم نشره في الاثنين 28 تموز / يوليو 2014. 10:20 مـساءً

يديعوت أحرونوت

دافيد غروسمان

الوضع الذي يعلق فيه الإسرائيليون والفلسطينيون يصبح أكثر فأكثر مثابة فقاعة كتيمة، منيعة. وفي داخل هذه الفقاعة تطورت على مدى السنين مبررات متطورة ومقنعة لكل فعل يقوم به كل واحد من الطرفين.
يمكن لإسرائيل أن تقول، وعن حق، انه لا يمكن لاي دولة في العالم أن تمر بصمت على هجمات لا تتوقف كهجمات حماس وتهديدات كالأنفاق. وفي داخل هذه الفقاعة ستبرر حماس، على حد نهجها، هجماتها على إسرائيل في أن شعبها ما يزال يخضع للاحتلال وأن سكان القطاع يذوون داخل الاغلاق الذي تفرضه عليهم إسرائيل.
في داخل فقاعة الوضع من يمكنه أن يجادل مواطني إسرائيل الذين يتوقعون أن تفعل حكومتهم كل شيء كي لا يصاب بأذى أي طفل في ناحل عوز أو في صوفا أو في كرم سالم من خلية لحماس تبرز أمامه من بطن الارض في منتصف الكيبوتس؟ وماذا سنجيب سكان غزة الذين يقصفون ممن يقولون ان الأنفاق والصواريخ هي السلاح الذي تبقى لهم في مواجهة قوة عظمى كإسرائيل. ومن داخل الفقاعة الكتيمة، الوحشية واليائسة فان الطرفين محقان، على حد نهجهما. كلاهما يطيعان القانون السائد في الفقاعة، قانون العنف والحرب، قانون الثأر والكراهية.
ولكن السؤال الكبير الان، في ذروة الحرب، ليس سؤال الفظائع التي تقع كل يوم داخل الفقاعة، ولكن السؤال كيف يحتمل، بحق الجحيم، انه منذ اكثر من مئة سنة ونحن نختنق معا في داخل هذه الفقاعة؟
هذا السؤال هو، في نظري، الدرس الاهم الذي ينبغي ان ينشأ عن الجولة الدموية الاخيرة. ولما كنت لا أستطيع أن اسأل هذا من حماس، ولا أدعي أني أفهم طريقة تفكيرها، فان اسأل زعماء بلادي، رئيس حكومتها اليوم وأسلافه: كيف حصل انكم أضعتم الوقت الطويل الذي مر منذ المواجهة الاخيرة ولم تبادروا إلى أي خطوة حوار، جس نبض للحوار مع حماس ومحاولة تغيير الواقع المتفجر بيننا وبينها. لماذا امتنعت إسرائيل في السنوات الاخيرة عن الدخول بنية كاملة إلى المفاوضات مع القسم المعتدل والمستعد اكثر للحوار في الشعب الفلسطيني – من أجل ان تخلق بذلك أيضا ضغطا على حماس؟ لماذا تجاهلتم على مدى 12 سنة مبادرة الجامعة العربية، الكفيلة بأن تجند دولا عربية معتدلة كان يمكنها، ربما، ان تفرض حلا وسط على حماس؟ بتعبير آخر، كيف حصل ان منذ عشرات السنين وحكومة إسرائيل غير قادرة على أن تفكر من خارج الفقاعة.
وعلى الرغم من ذلك، فان شيئا ما في المعركة الحالية بين إسرائيل وغزة يختلف عما سبقها. فضلا عن حماسة بعض السياسيين ممن يتلاعبون بنار الحرب، وخلف المسرحية الكبيرة من "الوحدة" – التي بعضها أصيب ومعظمها تلاعبي – يحصل في هذه الحرب، شيء ما ينجح، كما يخيل لي، في لفت انتباه إسرائيليين غير قلائل إلى "آلية" ما توجد في أساس "الوضع" كله: إلى تكراره العقيم، المميت.
شيء ما في الدائرية المتكررة لافعال العنف والثأر والثأر المضاد يكشف لناظري الكثيرين، ممن رفضوا حتى لان الاعتراف بذلك، صورتنا في داخل "الوضع". فجأة يمكننا أن نرى بوضوح فظ صورة إسرائيل، الدولة ذات القوى الرائعة من الابداع والاختراع والجسارة، التي تدور منذ اكثر من سنة حول رحى النزاع، الذي كان يمكن ربما أن يحل قبل سنين.
واذا ما تخلينا في لحظة واحدة عن المبررات والتعليلات التي نحمي بها أنفسنا أمام مشاعر الرحمة البسيطة والانسانية تجاه جموع الفلسطينيين الذين تفتك بحياتهم في هذه الحرب، فلعل يمكننا أن نراهم هم أيضا، اولئك الذين يطحنون معنا، على نحو مشترك، ويدورون إلى ما لا نهاية في الدوائر العمياء وبتلبد حس مصدره اليأس.
لا أدري ما الذي حقا يفكر به هؤلاء الفلسطينيون هذه الايام وماذا يفكر أهل غزة. ولكني أشعر بأن إسرائيل تنضج. بحزن وألم وبشد على الاسنان، إسرائيل تنضج، أو الافضل، تضطر إلى أن تنضج – رغم التصريحات الكفاحية والاعلانات الحماسية من السياسيين والمحللين المليئين بالهواء الساخن، وكذا فضلا عن الهجمة العنيفة من زعران اليمين على كل من يختلف معهم في الرأي – فضلا عن كل هؤلاء، فان العمود المركزي من الجمهور الإسرائيلي آخذ في الصحوة.
اليسار على علم اليوم بقدر أكبر بقوة الكراهية لإسرائيل – وهذه لا تنبع فقط من الاحتلال – وبالبركان الاسلامي – الاصولي الذي يهدد إسرائيل وبهشاشة كل اتفاق يوقع هنا. كثيرون أيضا في اليسار يفهمون اليوم أن مخاوف رجال اليمين ليست فقط جنون اضطهاد وان هذه تتناول بعدا جوهريا ومصيريا موجودا في واقع حياتنا. آمل أن في اليمين أيضا يعترفون اليوم أكثر – وان كان بغضب واحباط – بقيود القوة؛ وبحقيقة أن حتى الدولة القوية جدا مثل دولتنا لا يمكنها أن تعمل فقط وحصريا حسب ارادته، وانه في العصر الذي نعيش فيه لم تعد هناك انتصارات لا لبس فيها، وتوجد فقط "صور نصر" ليس فيها ما هو حقيقي. صور النصر التي خلفها يمكن أن نرى بوضوح صورتها السلبية التي تقول انه في الحروب لا يوجد سوى خاسرين. وهذا أيضا: في أنه لا يوجد حل عسكري للضائقة الحقيقية للشعب الذي يقف أمامنا. وإلى أن يحل احساس الخنق لدى غزة، نحن أيضا في إسرائيل لن نتنفس الصعداء، ليس بكلتي الرئتين.
منذ عشرات السنين ونحن الإسرائيليين نعرف هذا، وعشرات السنين نحن نرفض أن نفهم. ولكن ربما هذه المرة فهمنا اكثر قليلا، أو للحظة رأينا واقع حياتنا من زاوية مختلفة قليلا. هذا فهم أليم، وبالتأكيد مهدد أيضا، ولكن هذا الفهم يمكن أن يكون بداية تغيير في الوعي. فهو كفيل بأن يصيغ للإسرائيليين الحيوية والالحاح للسلام مع الفلسطينيين، كأساس للسلام مع الدول العربية الاخرى. يمكنه أن يعرض السلام – المحتقر جدا اليوم – بصفته الامكانية الاكبر، بل والاكثر أمنا، من كل الامكانيات التي تقف أمامها إسرائيل.
فهل في الطرف الاخر أيضا، لدى حماس، سيتبلور مثل هذا الفهم؟ ليس لدي السبيل لمعرفة هذا. ولكن اغلبية الشعب الفلسطيني، الذي يمثله محمود عباس، سبق أن أجرى، عمليا، هذا الحسم في هجر طريق الارهاب واختيار المفاوضات. فهل يمكن لحكومة إسرائيل الان، بعد المعركة المضرجة بالدماء التي اجتزناها، بعد ان فقدنا هذا القدر الكبير من الشباب والاحبة، الا نجرب، على الاقل، هذه الامكانية؟
هل ستواصل تجاهل محمود عباس كعنصر حيوي في حل النزاع؟ هل ستواصل التخلي عن الامكانية في أن يؤدي اتفاق مع الفلسطينيين في الضفة الغربية بالتدريج إلى تحسين العلاقات مع مليون وثمانمئة الف من سكان غزة أيضا؟
ونحن، في إسرائيل في الداخل، سنكون ملزمين بأن نبدأ، فور انتهاء الحرب، بمسيرة خلق شراكة جديدة داخلنا، شراكة تغير خريطة المصالح الضيقة والفئوية التي تسيطر علينا اليوم؛ الشراكة مع كل من يفهم خطر الموت الذي في استمرار دورة الرحى. مع كل من يفهم أن خطوط الحدود اليوم لم تعد تفصل بين اليهود والعرب، بل بين اولئك الذين يتطلعون لان يعيشوا بسلام واولئك الذين يتغذون بشكل نفسي وايديولوجي من استمرار العنف. اؤمن بأنه يوجد في إسرائيل، ما يزال، كتلة حرجة من الناس، من اليمين ومن اليسار، علمانيين ومتدينين، يهود وعرب، قادرون على ان يتحدوا بشكل واعٍ وبلا أوهام، حول ثلاث أربع نقاط اتفاق بالنسبة لحل النزاع مع جيراننا؛ يوجد كثيرون ممن لا يزالون "يتذكرون المستقبل" (عبارة غريبة، ويخيل لي دقيقة، في هذا السياق) – المستقبل الذي يسعون له ويتمنونه لإسرائيل وكذا لفلسطين. لا يزال يوجد هنا – ومن يدري إلى متى – أناس يفهمون أنه اذا ما غرقنا مرة اخرى في اللامبالاة سنترك الساحة شاغرة لأولئك الذين يجروننا جميعا – بتصميم وبحماسة – إلى الحرب التالية، وعلى الطريق أيضا سيشعلون كل بؤرة ممكنة للنزاع داخل المجتمع الإسرائيلي.

التعليق