محمد برهومة

السلفية الجهادية بين المحلي و"المعولم"

تم نشره في الجمعة 1 آب / أغسطس 2014. 12:02 صباحاً

قبل أشهر، كان شائعاً في إطار التمييز بين تنظيم "الدولة الإسلامية" أو "داعش" من جهة، وبين "جبهة النصرة" من جهة أخرى، أن يُقال إنّ الأخيرة أكثر محلية وأكثر اعتدالاً. لكن بعد "الانتصارات" التي حققها تنظيم "الدولة"، ومن ضمنها مبايعة مجموعات من "النصرة" وجماعات محلية مسلحة له، إلى جانب مجموعة من العشائر السُنّية في سورية والعراق، إضافة إلى سيطرته على مساحة جغرافية "غير افتراضية"؛ صار من المتعيّن اختبار مدى دقة هذا التمييز. وهو ما دفع الأمم المتحدة في تقرير أخير لها إلى الحديث عن "سرينة" تنظيم "الدولة الإسلامية"، بانضمام عناصر من المعارضة السورية له.
اليوم، تغيّرت الحال التي كانت تدفعنا إلى الحديث عن أنه على عكس تنظيم "داعش"، الذي يعد تنظيما عابرا للدول ويضم في صفوفه عناصر وأنصارا من جميع الجنسيات، حاولت "جبهة النصرة" التي تعتبر الفرع السوري لتنظيم "القاعدة"، بقيادة مركزية من أيمن الظواهري، "توطين السلفية الجهادية في المجتمعات المحلية"، والممانعة في قبول الأجانب في صفوفها. لكن تغيّر تنظيم "الدولة" لم يصل إلى الارتقاء إلى سلوك عُرف عن تنظيم "أحرار الشام"، وهو فصيل عسكري جهادي ناشط ضمن الجماعات المسلحة في سورية، من حيث إنه يحاول، برغم اعتماده فكر "القاعدة"، أن يتجنب فكرة "الجهاد العالمي"، ويؤشر إلى ذلك حرصه على وضع العلم السوري، وليس علم "القاعدة" الأسود في مقاطع الفيديو التي يبثها ترويجا لنشاطاته وعملياته.
تنظيم "الدولة" أو "داعش" لم يشرك، وفق باحثين، "في إدارة مدينة الرقة السورية التي يحكمها سورياً واحدا؛ فالقيادة هناك عراقية، وضباط الجيش العراقي المنحل هم قادة الصف الأول فيها". هذا كله يحفز على التأني في مسألة إصدار نتائج نهائية في مسألة الأصيل، والوارد والمحلي و"المعولم" فيما خص ظاهرة السلفية الجهادية في العراق وبلاد الشام. لكن هذا لا يقلل من فكرة أن ظاهرة السلفية الجهادية، في صلب تركيبها وبنيتها الفكرية والتنظيمية والتمويلية، هي ظاهرة "معولمة"؛ عابرة للدول والكيانات الوطنية والقوميات ولا تعترف بها، وهي تجتمع على فكرة الإمارة الإسلامية أو الخلافة، ومرشحة للظهور في الأماكن التي تكون فيه سلطة الدولة واهنة، وتعاني فراغا سياسيا، وتسود بعض مناطقها الفوضى أو تعاني التهميش والإقصاء والتمييز، خاصة إذا كان على خلفيات طائفية ومذهبية.
الأوضاع السياسية والأمنية في سورية والعراق، اليوم، توفر فرصة ذهبية لأفكار السلفية الجهادية لنسج خطاب يقوم على القول إن ما يجري في هذين البلدين هو "صراع عقائدي-ديني-طائفي" لا حل له إلا بالعنف المسلح. وهذا النوع من الصراعات والحروب هو البيئة الخصبة لأيديولوجيا "القاعدة" وأخواتها بوصفها حركات طائفية، وتتأسس على فكرة "الطائفة المنصورة"، و"الفرقة الناجية". وتقوم هذه الحركات في سبيل تحقيق أهدافها، على العداء لفكرة الدولة ورابطة المواطنة والهوية الوطنية، ذلك أنها أيديولوجيا عابرة للحدود، وتتعاطى مع فكرة "الأمة" بوصفها كياناً سياسياً وجغرافياً، غافلة عن أنها معنى ثقافي ورمزي ومعنوي ليس إلا. ولقد أكد الباحث الفرنسي أولفييه روا في كتابه "الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة" أن الأصولية هي شكل الدين الأفضل تكيفا مع "العولمة"، لأنه يضطلع بإزالة هويته الثقافية الخاصة (المحلية)، ويتخذ من ذلك أداة لطموحه إلى العالمية.

التعليق