إسرائيل تستخدم عصابات الإرهاب

تم نشره في السبت 2 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً

كشف العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، عن الحضيض العنصري الخطير الذي انحدرت إليه إسرائيل في السنوات الأخيرة، في التعامل مع فلسطينيي 48؛ وأيضا ضد المناهضين لسياستها في الشارع الإسرائيلي رغم حجمهم المحدود. فالوحشية الإسرائيلية في غزة، بكل ما تنتجه من كوارث إنسانية، ليست مستغربة؛ إذ هكذا إسرائيل في كل حروبها. إنما "الجديد" اليوم هو أن إسرائيل الرسمية باتت تستخدم عصابات الإرهاب اليمينية لقمع المناهضين للعدوان على غزة ولسياستها بشكل عام. وهذا ثبت على أرض الواقع، في الأسابيع الأخيرة، من خلال مشاهد انفلات تلك العصابات، بدعم واضح من الأجهزة الإسرائيلية.
فقد كشف انعكاس هذا العدوان على الشارع الإسرائيلي، مدى شراسة العنصرية الإرهابية المستفحلة في هذا الشارع، وبغطاء وتوجيه كاملين من كبار ساسة إسرائيل، بدءا من بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان، وصولا إلى آخر وزير ونائب في الكنيست. وقد برز هذا بشكل خاص في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، حينما دأبت الأجهزة العسكرية، وخاصة الشرطة بتوجيه من المخابرات، على ضمان وجود مظاهرة لعصابات اليمين الإرهابية أمام كل مظاهرة مناهضة للعدوان على غزة؛ إن كان في تل أبيب، أم في حيفا، ومن قبلهما القدس، مع علم مسبق أن هذا سيؤدي إلى اعتداءات من الإرهابيين على مناهضي العدوان والمجازر في غزة. إذ برز الأمر في عدة مظاهرات في تل أبيب، بينما كانت الذروة في مدينة حيفا.
في المقابل، فتحت كل المؤسسات الإسرائيلية، من تعليمية ومالية وغيرها، أبوابها أمام مراكز تابعة لليمين المتطرف، تلاحق فلسطينيي 48 واليسار الإسرائيلي، لترصد كل ما يُنشر ويقال ضد العدوان على غزة وجرائم الاحتلال وحكومته في شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى في الأحاديث العامة والمنشورات؛ لتبدأ عملية ملاحقة غير مسبوقة في حجمها. وقد تم تسجيل سلسلة حوادث لفصل عاملين عرب من شركات وحتى مؤسسات رسمية، واستدعاء إدارات جامعات لطلبة عرب جاهروا بموقفهم المعادي للسياسة الإسرائيلية، في الوقت الذي ينتشر في شبكات التواصل الاجتماعي التحريض القاتل ضد العرب، والعبارة الأكثر رواجا: "الموت للعرب"، من دون أي محاسب أو رقيب.
كل هذا يضاف إلى سلسلة الاعتداءات الدموية في مدن أو أحياء يهودية ضد الفلسطينيين، على أساس عنصري. وبموازاة هذا، يقود وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان حملة لمقاطعة الأسواق العربية، رغم ضعفها، ويلقى هذا رواجا كبيرا في الأسابيع الأخيرة.
كذلك، تشدد الأجهزة الأمنية قبضتها على فلسطينيي 48، فسجلت الاعتقالات ذروة خطيرة جدا في الأسابيع الماضية. ويجري الحديث عن أكثر من 640 معتقلا، وتقديم لوائح اتهام ضد نحو 150 منهم، في الوقت الذي يُظهر فيه الجهاز القضائي تجندا كاملا لطلبات الشرطة والنيابة بتمديد الاعتقالات وفرض العقوبات الجائرة.
من الواضح أن كل هذا يتم بغطاء مباشر من المؤسسة الإسرائيلية وحكومتها؛ إذ إن الشارع الإسرائيلي ينصت إلى ما يصدر عن الوزراء وأعضاء الكنيست من تحريض عنصري خطير على النواب والمواطنين العرب بشكل عام، ويترجم الشارع تلك التصريحات إلى جرائم دموية.
إن السياسة والنهج العنصريين يرافقان السياسة الإسرائيلية الرسمية منذ يومها الأول، مع تصعيد متواصل على مر السنين. ولكن ما نشهده في الآونة الأخيرة هو ذروة خطيرة جدا؛ باستخدام المؤسسة الحاكمة عصابات إرهابية، لتكون ذراعا ضاربة لها ضد فلسطينيي 48، ولمناهضي سياستها في الشارع الإسرائيلي. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل قررت إسرائيل الدخول في مسار تصادمي دموي مباشر مع فلسطينيي 48، أم أنها تراهن على كسر إرادتهم، وشطب انتمائهم وهويتهم؟
في الحالتين  كلتيهما فإن إسرائيل ستكون خاسرة؛ فهذا ما جرّبته على مدى عشرات السنين، والنتيجة الماثلة هي أن الصمود والبقاء على أرض الوطن، بانتماء وتمسك بالهوية، هو الإنجاز الأكبر لفلسطينيي 48. فالصهيونية لن تنجح اليوم في ما فشلت به قبل ستة عقود ونيّف؛ حينما كنا كالأيتام على موائد اللئام، وحينما تخلى عنا قسم كبير من ذوي القربى واعتبروا أننا "تأسرلنا". ومرّة أخرى نقول: هناك من "اكتشفنا" اليوم، أو اختار أن يُسجل تاريخنا منذ ظهور الفضائيات، وهذا بؤس إعلامي وسياسي ظالم؛ فنحن من سطّر أسطورة الصمود منذ النكبة وحتى اليوم من دون انقطاع، وسُجلت بطولات قسطها الأكبر غائب عن صفحات التاريخ، وما حالنا اليوم إلا استمرار لما كان طيلة الوقت.

التعليق