د.أحمد جميل عزم

زكريا يعرف خاله

تم نشره في الخميس 14 آب / أغسطس 2014. 11:04 مـساءً

نسمع في الدراما العربية شخصاً يريد إنجاب ابن يحمل اسمه. وفي الملحمة الفلسطينية، للبطل أخت تلد من يُكمل مسيرة الخال.
استشهد سعد جرادات على بوابات تل الزعتر العام 1976. ولأمّه قصة أوردتُها في مقال سابق (وتكون الوردة)؛ إذ ما شَعَرَت بالفقد إلا يوم ذَبُل ورد الإكليل. وكتبتُ عنه عند استشهاد ابن اخته عرفات جرادات في "باستيلات" العدو العام الماضي. أمّا أم سامر طبنجة، فهي أخت سامر أيضاً؛ سامر الأول استشهد في قلعة شقيف جنوب لبنان، العام 1981، وسامر الثاني استشهد في نابلس مطلع انتفاضة الأقصى عن عمر 12 عاما، بقذيفة طائرة استهدفت محيط المنزل. وتحتفظ أم سامر، وأخته، بهدايا وورود ابنها، وتقول للصحافة: "رغم صغر سنه، كان يصر على شراء الهدايا وباقات الورود. يجمع ثمنها من مصروفه". وتقول: ستبقى الهدايا الأغلى بالنسبة لي، وضعتُها في ركن خاص من المنزل، بات مَزارًا، وآخرها، كانت "نبتة زينة".
يمم يعقوب سمّور صاحب البنية الجسدية القوية و"النِفس المفتوحة" للطعام، العام 1971، وكان عمره 18 عاماً، للدراسة في جامعة بيروت العربية، وعاد منخرطاً في الثورة، يدير مَقهى في قريته قبلان، قرب نابلس. يتذكرأقرانه كثرة استماعه للأغاني من راديو "تارنزستور" يقربه من أذنه، والمقهى يعج بلعب الشدة والضحك، غطاءً لنشاط المكان الحقيقي. تستدعيه المخابرات الإسرائيلية، فيعزز الانطباع أنّه شخص يحب اللهو. حتى جاء العام 1976، ونفذت مجموعة مرتبطة به عمليّة، واعتقلت، وكان مسافراً إلى بيروت، وبعد الاعترافات عنه، بقي في معاقل الثورة.
يخبرني شقيقه أنّه كان يدرس الماجستير. ويقول مقاتل آخر رافقه إنّه كان يدرس بكالوريوس آخر، ويريد اتباع دراسة الجغرافيا بالسياسة والتاريخ. وأصبح آمر قلعة شقيف، وكان يشعل شمعة ليلاً في قلب "تنكة" ويضع الكتاب داخلها ليقرأ من دون ظهور الضوء للعدو.
بعد أسبوع من بدء حرب لبنان العام 1982، كانت الأم تعجن خبزها، وشقيقه، ابن 13 عاماً، يستمعان للإذاعة، فجاء صوت ياسر عرفات، يُعلن استشهاد قائد قلعة شقيف، فتركت الأم عجنتها وبكت.
نجا اثنان من نحو 33 مقاتلا في القلعة ورويا الملحمة؛ كيف انفجر لغم في مقاتل يمني يقاتل مع الثورة، فجاءه يعقوب (واسمه الحركي راسم) فانفجر فيه لغم آخر، فبترت قدمه، وأبى سحبه من المعركة وواصل إطلاق النار حتى استشهاده.
فُقد جثمانه. وعندما ولد ابن شقيقته زكريا العام 1991، كان أوان تجديد الأسطورة؛ فلم يكد يعي الدنيا حتى كان مقاتلون من أقران راسم قد بدأوا يعودون للوطن، بعد "أوسلو"، ويقصدون قَبَلان لتقديم التحية لوالدي الشهيد الأسطورة، ليتجدد الحديث، ويعرفَ زكريا وبقيّة الأطفال معنى أن تكون بطلاً.
موعد تجدد الأسطورة التالي كان في العام 2004، إبّان عمل وحدة يونانية لنزع الألغام في لبنان، حيث استخرجت جثتان في محيط "شقيف"، ومن قلادتي المقاتلين المعدنيتين، عرفوا اليمني الشهيد، وعرفوا راسم، ووجدوا معه نظّارة وقلما. ونظّم رفاقه جنازة في مخيم عين الحلوة، وأرسل ياسرعرفات وفداً يُمثّله فيها.
أسأل: هل أثّرت سيرة راسم فيه؟ يُجيبني مُحدّثي: "كل قبلان تتحدث بالسيرة". ويكمل: "زكريا عرف خاله". يبدأ زكريا فتى يرمي الحجارة على العدو، وتدخله حرب غزة 2008 مرحلة جديدة، فيعتقل العام 2009، عاماً، ويخرج أكثر إصراراً على النضال، ولكن الحجارة لم تعد ترضيه.
يعتقدون في القرية أنّه عمل مؤخرا شهرين عامل بناء داخل فلسطين المحتلة العام 1948، اشترى عقبها سيارة قديمة. واستنتاج الأهالي أنّ السيارة شاركت في نشاطٍ ما. وصادر الاحتلال تسجيل كاميرات المحلات التجارية في المنطقة، بحثاً عن السيارة وهويتها. وبدأت ملاحقة زكريا. جاؤوا بيت عائلته في غيابه، أخرجوهم وفجّروا البيت، ويومها أطلقوا كلاباً نهشت أحد أصدقائه، اسمه سامر، كان نائما في محله التجاري، ثم اعتقلته.
توارى زكريا منذ العيد الأخير حتى الاثنين الماضي، عندما جاءت آليات عسكرية وجرافات عملاقة وحاصرت بناية يَسكُن إحدى طبقاتها، شقيق زكريا. لعلّهم ظنّوا أنّهم جاؤوا إلى شقيف! نادوا زكريا بمكبرات الصوت، وبدأوا بهدم البيت. لم يكن هناك، ولكنه جاءهم من الجبل المقابل، وأخذ سور أحد المنازل ساتراً وبدأ بإطلاق النار. واستمّرت المواجهة التي استخدم الاحتلال فيها القذائف والجرافات، سبع ساعات، انتهت صباحاً بهدم البيت الذي تحصن في حديقته، وإصابة أهله. وأحصى الطبيب في جسد الشهيد أكثر من 50 إصابة وشظية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (سجى عاطف)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2014.
    صباح كل جمعة يخفق قلبي إلى أن أصل هذه الصفحة لأنني أعلم أني على موعد مع حكاية فلسطينية لا يمكن أن أجدها إلا هنا
    أبطال فلسطين ومدنها تصبح هنا عرائس من كلمات أو لوحات مرسومة بنقش الروح وزكريا وراسم وسعد وكل أبطال روايتك ألوان هذا النقش
    رائع
  • »صباح فلسطين وقصصها (منى)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2014.
    زكريا وخاله حكايات الشهداء والأخوال سطور في سفر مجد هذا الشعب وشموع تنير درب عودتنا
    نحبهم في الشهادة لكنا نحبهم في الحياة أكثر
    هم ورود وحنون وياسمين وهذا المقال قهوة على غير العادة
  • »من قبلان النضال (محمد الازعر)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2014.
    الله عليك وعلى هذا الوصف
    هذه هي فلسطين وهؤلاء هم أبناءها وهذه أساطيرها ثوار وشهداء وكتاب مبدعين