نادر رنتيسي

حين سرقتُ الصيام!

تم نشره في الخميس 14 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

تأخَّرتُ عن المدرسة عاماً، سمعْتُ أنَّ جدلاً خافتاً دارَ بين أبي وأمي، انتهى بحسم أبوي أنْ أتأخر للعام الدراسي 86-87، حتى “لا أتعقَّدْ”. أمِّي أرادت أن تضعني في جوّ دراسي بأنْ خصَّصت لي باباً صغيراً في خزانة حائط خشبية مهترئة، لأضع فيها كتاب القراءة، وفرَشتْه بسجادة الصلاة، ثمَّ استكملتُ تأثيثه بصور “فيصل الدخيل” و”مؤيد الحداد” و”مارادونا”. حدث ذلك في أول صيفٍ لنا في “الفروانية”، إذ ذهبتُ إلى عدة مراجعات صباحية إلى مستشفى الصباح، برفقة أبي، ثمَّ فهمتُ أنَّني سأذهب مجدداً إلى النوم تحت كرة الضوء الثابتة في غرفة العمليات، أنامُ من التاسعة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، في سبيل محاولة أخيرة لرتق سقف الحلق، السبب الوحيد لخروج الكلام الأخنف من فمي.
لم أحتج، حملتُ كيساً بلاستيكياً رقيقاً، أعدَّته أمي لي، وتهيأتُ للطعام القديم: خبز “التوست” الفرنسيِّ الفكرة، منقوعاً بشوربة الشعيرية. وأنا جائع في التاسعة مساء، سأكسرُ صياماً قسرياً فرضته عليَّ الممرِّضة، العرجاء، وأتناول طعاماً من كيس جاري، الطفل الكويتي الأسمر، كنتُ أعرفُ أنَّني أخدعهم، وأنَّ الله يراني، وسأظلُّ على قناعة أنَّ فشل العملية كان بسبب ذلك الطعام الغريب الذي لم أستسغه، وتقيأتُه كاملاً في الحمَّام، وبقيتُ جائعاً.
صحوتُ في الواحدة ظهراً، بعد أن انسحب التخدير ببطء الظلِّ من جسدي الساخن، وبيدي كانت حقنة المُغذِّي تسرِّب قطرات جلوكوز إلى دمي، وفمي منتفخ كمَنْ توقَّفَ عن مَضْغِ “لقمة القاضي”، عيناي تتأملان الغرفة البيضاء الفارغة من المرضى والفضوليين، وسمَعي محتفظٌ بعبارة رجل أحسسته فائضاً في غرفة العمليات داعبني قبل أن أنام بأن أعدَّ للعشرة وسأعودُ على الفور إلى أمي. نعم أمِّي هُنا نصفُ بُكاءٍ في عينيها، وتبتسمُ كأنها تخجل من ألمي، عندما حاولتُ تحريكَ لساني ولمس ريقٍ حامض، آلمني سقف الحلق الذي كان خشناً كحائط مقشورٍ. يومان ثمَّ جاءني طعامي الوحيد: شوربة شعيرية بخبز “التوست”، سآكلُ حتى تسقط الخيوط اللحمية هزيلة من سقف الحلق، وأعرفُ أنَّ العملية قد فشلتْ، وأنَّني أذنبتُ حين سرقتُ الصيامَ قبل التخدير!
عام كامل أمضيته في حفظ “الفاتحة” و”قل هو الله أحد”، وأنَّ الله يحبُّني، وأنا أحبُّه، وأنَّ تفاحةً زائد تفاحةٍ يساوي تفاحتين، وأن في السلة ثلاث برتقالات إذا أكل “حسن” واحدة يتبقى اثنتان، والباب جماد، وكذلك العتبة، واللوبياء نبات مفيد، وكذلك الفاصولياء، والأسد أقوى الحيوانات، والأرنب أضعفها. وجاءني جدِّي بكتاب القراءة “مع حمد ورق وقلم”، وجدِّي كان اسمه “حمد”، ما جعل حفظي للدرس الأول التزاماً عائلياً.
عام كاملٌ التزمتُ به بالدراسة المنزلية، لأنَّني “مريض” وكثير الذهاب إلى المستشفى، وعليَّ أن أصحو في السادسة لأشرب الشاي بالحليب، حتى ينبت لي سنَّان في فراغ جانبي من فمي، فيمكنني اللحاق بالموسم الدراسيِّ المقبل، وفي الظهيرة أقف في ظلِّ الدكَّان أمام العمارة، أراقبُ عودة الطلبة بـ”المراييل المُهينَةِ”، وعودة أبي بـ”جريدة الوطن”، أفردها على الأرض أتهجَّى عنوانها الرئيسي، ومرَّةً كان عن حرب المخيمات، وأذكر أنَّني سألتُ أبي إنْ كانت “المخيمات” من الجماد أم من النبات، وضحك فعرفتُ أنَّني قلتُ شيئاً سخيفاً، فانتقلتُ إلى صفحة الرياضة لأستغلَّ ثقافته المحدودة فيها، ثمَّ سألتُ أمي: “مين أحلى المدرسة ولاَّ المستشفى؟!”؛ كأنني كنتُ أتراجع خطوة إلى منزلٍ أألفه!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاحلى الهامك (مي)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2014.
    الأحلى الهامك الجميل الذي صنعه ماضيك ويستمتع به محبيك الآن ..بالتوفيق استاذ
  • »رغم الالم (ابتسام عساف)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2014.
    سرد جميل يشدنا دائما".. رغم ان المحتوى مؤلم
  • »جميل (نائلة)

    الخميس 14 آب / أغسطس 2014.
    "خبز التوست الفرنسيِّ الفكرة" اختصرت هالجملة الدروس التي لم تذكرها .. رائع !!