أكتب إليك معتذراً!

تم نشره في السبت 16 آب / أغسطس 2014. 12:03 صباحاً

أيها التاريخ.. نعرف تماماً أنك لا تُصدق هذا الذي يجري: أمة ينوف تعدادها على ثلاثمائة وخمسين مليوناً، تشكّل ثالث أكبر تجمع سكاني في العالم، وتشغل موقعاً جغرافياً متوسطاً بين القارات، يمثل نحو عشرة بالمائة من إجمالي مساحة اليابسة، وتطل على خمسة بحار، وتملك أكبر مخزون نفطي، وثروة مالية كبيرة، وتتوفر على خيرات وموارد لا حصر لها، وفيها من أبنائها أذكياء وخبراء ومهرة، لكنها تقف متفرجة على عدو احتل بقعة متوسطة من أرضها، وهو يشيع القتل والدمار في مليون ونصف المليون من أبنائها، يعيشون في 365 كيلو متر مربع من الأرض، من دون أن تحرّك هذه الأمة ساكناً لردعه.
نشعر معك تماماً، أيها التاريخ. سيكون تدوين ذلك صعباً عليك. ستقول: لا ريب أن الأجيال المقبلة ستظنني كذبت، أو أن أحداً ما حرّفني. معك حق، إننا نحن أنفسنا، الذين نعيش هذا الحدث ونراه بأعيننا، لا نكاد نصدقه!
لكن، أيها التاريخ، إن كتبتَ هذا الذي يجري، ولا ريب أنك ستكتبه، فنرجو منك أن تفصّل بعض الشيء، لتوضح الفرق بين صمت وآخر.
نحن الذين نرسل إليك هذه الرسالة، أناس بسطاء، نعيش على هامش الحياة، ولا نشارك في صياغة الأحداث؛ إذ لا رأي لنا يسمعه أحد. فنحن، إذن، لا نشارك في صُنعك كما يصنعك الآخرون، فلماذا ستظلمنا وتقول إننا قصّرنا ولم نتحرك؟ الحق نقول لك: إننا لسنا أحياء، فحياتنا إنما هي "بعض بدائل للموت" كما يقول بيت من الشعر، فكيف لنا أن نتصرف إزاء أمر يمس الحياة والأحياء؟
بعض منّا، أيها التاريخ، يصرخ في مظاهرات واعتصامات ومسيرات. بعضنا الآخر يتحدث عبر وسائل الإعلام ليقول كلاماً لا يحفل به أحد. بعضنا أيضاً يلوذ بالبكاء، وبعضنا يهمس بحلوله المقترحة في مجالسه. فهل هذه الأشياء مهمة لتكتبها، وهي لا تغيّر ولا تبدّل؟ لا ريب أنك، أيها التاريخ، لا تتسع لمثل هذه الأشياء الصغيرة، ولهذا، مثلاً، لم ترو لنا يوميات الناس البسطاء في ما سلف من أزمان، ذلك أنها ليست مهمة، ولن يلاحقها أحد.
سيكون غريباً أن تكتب أن أكبر المظاهرات والاحتجاجات على ما جرى، جاء من الشعوب الغربية التي نعتبرها خصمنا الحضاري في هذه المرحلة منك، أيها التاريخ. وسيكون الأغرب أن تلاحظ أننا اعتبرنا تلك المظاهرات المليونية التي نُظمت في الغرب، بمثابة تعويض عن مسؤولياتنا، حتى وقد أخذت طابعاً إنسانياً، لا سياسياً؛ فبدت مأخوذة بحجم القتل والتدمير، بل و"نوعيته" حين طالا الأطفال والمدارس، فيما لم تنل الأبعاد السياسية في تلك المظاهرات والاحتجاجات اهتماماً مكافئاً، ومنها قضية إنهاء الاحتلال الذي تسبب به الغرب أصلاً وصنعه ورعاه وكرّسه، ومن مسؤوليته السعي لإنهائه، وكأنهم تعاطوا مع الحرب باعتبارها كارثة طبيعية، لا عدواناً عسكرياً منظماً، ذا أبعاد سياسية.
سنقترح عليك اقتراحاً بديلاً: قبل أن تكتب في دفاترك أننا قصّرنا، ما رأيك أن تقترح علينا ما نفعل، مستعيناً بما لديك من معارف وقصص وأخبار، عن أحداث مماثلة وقعت قديماً أو حديثاً، فإن لم نستجب لك، يكون من حقك أن تكتب عنّا ما تشاء.
لن تجد في دفاترك قصصاً مماثلة، فلا تتعب نفسك. لذا، فإننا ونحن نكتب إليك معتذرين عن هذا الذي يجري، فإننا لن نلومك لو قررت أن لا تعذرنا، وكتبت في صفحاتك أننا قصّرنا لأننا رضينا بالتهميش على قارعة الحدث والدنيا، بل على قارعتك أنت، أيها التاريخ.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تاريخنا الاسود (محمد منير)

    السبت 16 آب / أغسطس 2014.
    ذكرني مقالك اليوم بمقولة قالها والدي قبل سنوات، وهو بالمناسبة انسان عربي بسيط جدا، لم يحظ من التعليم سوى ما استطاع به أن يسد به أميته.. قال يوما وهو يشاهد نشرة الاخبار: "أحمد الله تعالى أن جعلني إنسانا عربيا عاديا جدا جدا، وإلا لكان التاريخ سيفضحني كما سيفضح غيري من المتخاذلين والمتآمرين"...!!
    شكرا لك سامر على مقالك الجميل
  • »لا بالله عليك لاتسجل يا تاريخ (حسين ياسين)

    السبت 16 آب / أغسطس 2014.
    انها والله لاكبر وصمه عار على جبين دفاتر التاريخ ان يسجل هكذا صفحات