موفق ملكاوي

رسالة إلى آلاء

تم نشره في الاثنين 18 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

عزيزتي آلاء:
أكتب لك رسالتي هذه من خلف مكتبي الفاخر. كنت شعرت بحر الجو قليلا، لذلك قمت بتشغيل مكيف الهواء لكي تكون الكتابة على قدر عال من الالتزام.
لا أعرف ما هي ظروفك التي تختبرينها في مستشفى "مار يوسف الفرنساوي" في القدس، ولكننا نستطيع أن نطمئنك أننا بخير.
في الحقيقة، لا أريد أن تكون رسالتي إليك مشابهة لعشرات الآلاف من الرسائل التي تلقيتها من شتى بقاع العالم. مثلك لا يحتاج إلى المواساة، بل نحن من نحتاج إليها.
تابعنا موتكم العنيف على شاشات جدارية كبيرة. كنا نتابع القنوات التي تبث موتكم قبيل السحور بقليل، لعلنا نتزود بحسنات إضافية إلى جانب الصوم، إن شعرنا معكم قليلا. لكن، سرعان ما ندير إلى قناة أخرى عندما كنّا نريد أن نعلم آخر ما تمخضت عنه قصة الحب بين بطلي مسلسلنا الأثير.
عشنا معكم العدوان لحظة بلحظة، واعذرينا على تأخرنا اليومي في الصحو من النوم، فكما تعرفين رمضان كان صعبا علينا. لكننا ما إن نفيق، حتى نبدأ بتداول أخباركم، ونحصي عدد الشهداء من الأطفال، وكم امرأة تم بقر بطنها في ذلك اليوم. أحيانا كنا نحاول حماية أنفسنا من الصدمة النفسية، فنشيح بوجوهنا عن الشاشات لكي لا نشاهد الجثث المتراكمة في الشجاعية ورفح وبيت حانون.. وكامل جغرافيا القطاع المنكوب.
لم نكن نفيق مبكرين من النوم، فالتخمة كانت تعمي قلوبنا كل ليلة، كما لم تكن هناك طائرات ولا مدفعية احتلال تعمل كمنبه لنا.
في الوقت الذي كنت تركضين لتدفني خوفك في حضن والدتك -التي لا تعلمين حتى اليوم أنها استشهدت- عندما يشتد القصف على منطقتكم في رفح، كنا نجمع أطفالنا حولنا نداعبهم ونناغيهم، ونحن نعمّد صيامنا الطويل بحلو رمضان الأثير؛ القطايف، وكنا نتابع موتكم أيضا.
لكننا لم ننسكم من الدعاء. حتى شيوخنا الأفاضل المقدرون، نصحونا كل يوم بتكرار الدعاء لكم. الغالبية استجابت، غير أن هناك من تسرّب من الإجماع ودعا عليكم. لا تهتمي كثيرا، هم قلة لا أكثر، لا يعدو أن يكونوا نصف الأمة، لكن الأمور اليوم تحت السيطرة.
اليوم، وبعد خفوت صوت العدوان قليلا، ما نزال نتابع موتكم. نحزن كثيرا على المشاهد والصور التي تتوالى من القطاع. حين نعرف أنه لم يتبق لديكم ماء للشرب نجزع كثيرا، ونقف تحت الدش لتبديد ألمنا تجاهكم. أما الكهرباء.. لا عليكِ، فهي ليست ضرورية، ولا أظن أنكم تحتاجونها في شيء.
في المساءات، يتبدى تماما التزامنا القوي بقضيتكم؛ ففي جميع المقاهي والـ"كوفي شوبات"، نخوض نقاشات "جادة" حولكم، ونصرخ بأفكارنا الليبرالية في وجه خصومنا. بعضنا أكد أن المقاومة هي سبب المأساة. وكشف أمامنا بما لا يدع مجالا للشك أن رجال المقاومة يعيشون في أنفاق مكيفة، ويتركون أهل غزة بلا كهرباء. كانت وجهة نظر موضوعية ومحترمة.
عزيزتي آلاء:
نحن بخير، لا شيء يمكن أن ينغص علينا حياتنا، فنحن متمسكون بهذه الحياة الكريمة التي لا يعكرها شيء.
لا تحملي أي هم، فنحن ما نزال متمسكين بوصية شيوخنا، وندعو لكم كل يوم.
ملاحظة: ما يزال هناك من يدعو عليكم، ولكن الأمور تحت السيطرة.
كوني بخير.

التعليق