د.أحمد جميل عزم

القوة التي يمكن أن تضعف الولايات المتحدة

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2014. 12:04 صباحاً

إذا كان فرانسيس فوكوياما قد اشتهر بفضل كتابه نهاية التاريخ، العام 1992، وحديثه عن انتصار وشيك أو متاح لليبرالية والقيم الأميركية، فإنني أعتقد أنّ قيمته الفكرية والعلمية ستكون بشأن ما ترك من كتابات حول النظام السياسي وأهمية وسبل بناء الدول، والعجز الأميركي بهذا الشأن. وفي أكثر من مقال وكتاب نشرها في الأعوام العشرة الأخيرة، تحدث عن أنّ الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً زمن المحافظين الجدد، في عهد جورج بوش الابن، يعرفون تدمير الأنظمة والحكومات (كما في العراق وأفغانستان)، ولكنهم لا يعرفون بناء دول أو أنظمة جديدة. والآن يتحدث عن الفشل داخل الولايات المتحدة ذاتها.
في العدد الأخير من مجلة "فورين أفيرز"، اعتذار منهجي ضمني عن خروج المجلة التي يفترض أن تختص بالشؤون الخارجية، بالقول إنّ أهمية الولايات المتحدة العالمية تبرر دراسة عالمها الداخلي. وقد جاء عنوان غلاف الدورية المرموقة: "مأزق الاختلال الوظيفي" (Dysfunction Junction). وضمن ملف متعدد المقالات، كتب فوكوياما مقالا بعنوان "أميركا في تراجع: مصادر الاختلال الوظيفي الأميركي" (America in Decay: The Sources of Political Dysfunction). وإذا أردنا ترك الترجمة الحرفية للعناوين، فإننا أمام ملف عن عدم الفاعلية في الماكينة السياسية الأميركية الداخلية، وانعكاساتها العالمية.
في لقائه الأخير مع توماس فريدمان، في "نيويورك تايمز"، يدعم الرئيس باراك أوباما أطروحات "فورين أفيرز" بشكل غير مباشر. فرغم أنّه حاول الدفاع عن سجل مرحلته بالقول إنّ هناك أخبارا جيدة تأتي من أنحاء في العالم، مثل آسيا وأندونيسيا وأميركا اللاتينية؛ وذكر إنّ بلاده فيها إمكانات جديدة مهمة، مثل مصادر الطاقة البديلة والاختراعات الجديدة؛ إلا أنه قال إنّ الولايات المتحدة لن تتمكن من استثمار عناصر قوتها إلا إذا تبنى السياسيون فيها ذات العقلية التي يطالبون الشيعة والسنة والأكراد والإسرائيليين والفلسطينيين بتبنيها، وتحديداً تبني فكرة "لا منتصر ولا مهزوم"، والعمل معاً. ويقول أوباما: "أكبر تهديد، والقوة الوحيدة التي يمكن حقاً أن تضعفنا، هي نحن". واستخدم ذات مصطلحات المجلة قائلا: "سياستنا لا تعمل" (Dysfunctional)، وشبّه سلوك الحزبَين الكبيرين في الولايات المتحدة بسياسة قادة المليشيات والطوائف في الشرق الأوسط. وإذ يلوم الرئيس الأميركي الحزب الجمهوري وتطرفه اليميني، فإنّه يتحدث عن تضارب المصالح بين المجموعات داخل الولايات المتحدة، وعن "بلقنة" الإعلام الجديد، والأموال غير المسيطر عليها في السياسة.
اعترف أوباما أنّ الأخبار من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشبه سمات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، بما فيها من دمار وفوضى. ودافع عن سياسة إدارته في هذه المنطقة، مؤكداً أنّه لن يتدخل في منطقة في العالم إلا بقدر موافقة أهلها، وعلى قاعدة لا هازم ولا مهزوم.
يشير فوكوياما إلى جهاز "خدمات الغابات" التي تُعنى بالثروة الشجرية، وكيف كانت رمزا للفعالية البيروقراطية، واستقلالية قطاعات عن التجاذب السياسي. ويقول: الآن، تتخبط هذه الخدمات بسبب قوانين وقواعد مختلفة متناقضة من الكونغرس والقضاء، وتحقق نتائج متواضعة بتكلفة مالية عالية. ومن أمثلة فشل سلطة الغابات، أنها أمام تكرار الحرائق تبنت سياسة "دعها تحترق". كما يقدم فوكوياما أمثلة على تراجع الحقوق المدنية، وكيفية التحايل على القوانين التي تمنع استخدام المال في السياسة، وحتى ظاهرة العائلات السياسية مثل بوش، وكلينتون، وكينيدي، ويشبهها بمراحل في التاريخ في الصين، وفرنسا، والدولة العثمانية. ويتحدث عن جماعات مصالح لها جماعات ضغط "لوبيات" مرخصة، بلغت العام 2009 نحو 13700 جماعة، تنفق نحو 3.5 مليار دولار سنويّاً؛ تستخدم المال لتوظيف السياسة لمصالحها بدل الصالح العام. ويبدو فوكاياما متشائما من إصلاح الحياة السياسية الأميركية إلا تحت تأثير "صدمة خارجية" تؤدي إلى التوحد.
اللافت في الجدل الأميركي عن أسباب التراجع الأميركي، بما في ذلك تراجع الفعالية في الساحة الدولية، مقدار التجاهل لضرورات إعادة الترتيب عالميا. ولكن هذا قد يكون مفهوماً إذا كان يعني عمليّا اعترافا بأنّ العجز الأميركي الداخلي جعل الولايات المتحدة قادرة على إعاقة إصلاح وتغيير منظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومؤسسات الاقتصاد العالمية، وغير قادرة وغير راغبة في إصلاحها أو تطوير بدائل. ولكن هل على العالم انتظار أميركا؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"لا" ليس على العالم إنتظار أمريكا (إبراهيم أمين)

    الخميس 21 آب / أغسطس 2014.
    أمريكا غير راغبة في التغير لأنه يحمل مفجأت غير سارة لها. ولكن العالم الذي تظلمه أمريكا مرعوب من غيابها عن المسرح العالمي الحالي . والنتيجة التاريخ سيتقدم للمسرح العالمي و سيقول كلمته في الغد وما ينبغي أن يكون، فتلك عظمة التاريخ حينما يقرر ما ينبغي أن يكون بغض النظرعمن يرغب إو لايرغب فيما سيكون. وما الحروب العالمية التي نجهل أباءها وأمهاتها الحقيقيين إلا مثال صارخ على طريقة التاريخ في تغيير الوقائع.