بين المراهقة السياسية والنضج الديمقراطي العلماني

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

يمكن الادعاء أن مصير جميع المحاولات السياسية والتبريرات الدينية أو الشمولية للحكم، حتى وإن كانت شعبية، هو الفشل؛ طال الزمان أو قصر.
إن جميع هذه المحاولات والتبريرات الدينية أو الشمولية، سواء أنجح أصحابها في الوصول إلى الحكم أم فشلوا، تدل على المراهقة السياسية للفاعلين؛ أي على عدم نضجهم السياسي الديمقراطي العَلماني، وكذلك على مراهقة المحكومين الذي يقبلونهم أو يؤيدونهم. فالدكتاتورية الدينية أو الشمولية، وغيرهما من الدكتاتوريات، تبقي الشعب المتعدد المنابت والأديان والمذاهب... مخلوطاً مهما طال الزمن (بغياب الأحزاب الديمقراطية العلمانية التي تنظمه أفقياً)، ومن ثم مهيئاً بالحكم الديني أو الشمولي للتفكك أو الحرب الأهلية بمجرد انهياره. والأمثلة البعيدة والقريبة في الزمان والمكان معروفة وواضحة.
إن الحكم الديني أو الشمولي تعبير عن مراهقة سياسية ثقافية، قد تطول مدتها أو تقصر قبل أن ينضج الشعب؛ أي قبل أن يصبح ديمقراطياً عَلمانياً مركباً، ويلفظ الحكم الديني أو الشمولي الجاثم على صدره إلى غير رجعة، فعندئذ أو بعدئذ يصبح الشعب ناضجا؛ أي مصدرا للسلطات بالفعل، والإنسان حرا ومحمياً في دينه ومعتقده.
يثبت التاريخ والتجربة أن الديمقراطية العَلمانية هي علامة النضج السياسي الثقافي الأولى للحكم والشعب في أي بلد. أما العلامة الثانية لنضجهما، فإيمانهما الفعلي -اقتناعا وتقبلا أي ممارسة أيضاً- بالمواطنة كمعيار وحيد واحد في جميع الحقوق والواجبات مهما كانت خلفيات المواطنين الأثنية... والزمنية. أما المعيار الثالث، فهو القضاء المستقل العادل الذي لا يخشى الانحياز إلى الحق أياً كان صاحبه وأياً كان خصمه.
بالديمقراطية العلمانية، وبمبدأ المواطنة، وبالقضاء المستقل العادل، يصبح المجتمع مركباً يصعب تفكيكه إلى عناصره الأولية. فالانتماء إلى الوطن والشعب يتجذر في أعمق أعاميق المواطن، والولاء للنظام الديمقراطي العلماني المواطني العادل لا تهزه ريح ولا يقوى عليه إعصار.
يحاول الحكم المراهق بالدين أو بالأيديولوجيا الشمولية البقاء بالترغيب والترهيب، أو بالحديد والنار والإعلام المراهق المنافق، مما يطيل أمد المراهقة عند الشعب ويؤخر نضجه. وبين أمد المراهقة السياسية الدينية أو الشمولية هذه، والنضج الديمقراطي العَلماني، يدفع الشعب ثمناً باهظاً كالذي دفعته الشعوب الأوروبية قبل أن تنضج ديمقراطياً وعَلمانياً، والثمن الذي دفعته أو ما تزال الشعوب العربية وغيرها على هذه الطريق.
*****
"إن أموال المساعدات السخية التي تحول للفلسطينيين بطرق مختلفة، هي الضريبة التي تدفعها الدول الغربية عن الشعور الذي تبديه نحو الفصل العنصري الإسرائيلي، وعوضاً عن التشجيع الذي يتلقاه منها على هيئة صلات أمنية وثيقة وعلاقات تجارية متطورة وتبادل المنتوجات الثقافية والعلوم" (عميرة هاس، في "هآرتس" بتاريخ 6 /2 /2013).

التعليق