د.أحمد جميل عزم

من بين الركام

تم نشره في الجمعة 22 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً

قرأتُ في الثمانينيات كتاباً عن مجازر تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، وهالتني قصصه وحفظت أسماء أشخاصه. ولم أفطن حينها أنّ هؤلاء رووا فصولاً عاشوها، وأصبح الكتاب بمرور الأعوام تنقصه فصول جديدة. فكأنما الفلسطيني أحياناً قصةٌ لا تجد غلاف نهاية؛ فقد صدف وعرفت فصولاً جديدة لاحقة عن بعضهم.
2004 (حادثة رويتها سابقا): أخبرني صديقي الاسكتلندي عن عشاء تقيمه متطوعة معهم في محل بيع المطرزات الفلسطينية الخيري، بمناسبة انتقالها من إدنبرة إلى لندن. خجلتُ من الذهاب من دون دعوتها، ولكنه أكّد أنها تعلم بزيارتي وتتوقع قدومي. مر بي وزوجته، مساءً، وقالا نذهب للسكن الداخلي لجامعة إدنبرة لاصطحاب دلال؛ وأخبروني أنّها فتاة من غزة تحضّر للماجستير. عندما أتت أخبرتني كيف يساعدها صديقي الاسكتلندي وعائلته في كل تنقّل؛ فهي تعاني إعاقة بصرية تامّة، وتحضّر ماجستير أنثروبولوجيا عن التبني في الإسلام. عندما فُتح باب البيت، أطلت شابة في عشرينياتها حافية القدمين، ظننتها ابنة مضيفتنا، فأصدقائي في متجر المطرزات أصغرهم في خمسينياته. واتّضح أنها هي مضيفتنا، وكانت تدرس في الجامعة وتعمل يومين في مطعم لتنفق على نفسها، وتتطوع يومين مع أصدقاء فلسطين. وكان العشاء إنسانيا بامتياز، أربعة أجيال بين العشرين والثمانين، وفلسطين تظلل المكان.
2014: أتصلُ بأهل غزة، ولا أعرف هل هو خجلي من سخافة السؤال عن أحوالهم في ظل القصف، أم عدم رغبتهم في الحديث، هو ما أدى إلى فشل نسبي في التواصل. اتصلت بها هاتفيا. هي أول مرة أتصل بها.. عرفت صوتي مباشرة، ذُهِلت؛ كيف ولم نلتق سوى ساعات قبل عشر سنوات؟ قالت أتذكر، وسمعتك مرة على التلفزيون. وأسألها إن كنت أُثقل عليها، فتلتقط سريعاً ما أريد قوله، وتقول: لم أتمكن من الرد عليك كتابةً؛ كُنت مصدومة، الناس في صدمة.
نهاية السبعينيات: جرى استخراجي من وسط دمار بيت. الشيء المؤكَد أنّهم عرفوا أني فلسطينية. فقدتُ أسرتي مبكراً قبل معرفة أحدٍ منها. لا أعرف حتى إذا كان هذا اسمي الحقيقي، ولا أعرف من أي منطقة أنا. حاولت أن أعرف، ونشرت إعلانات وطلبت المساعدة ولم أعرف. تبنتني (وما تزال) طبيبة أسترالية تدعى جين، مع طفلين آخرين، تعيش وتعمل مع الفلسطينيين ومخيماتهم منذ العام 1981. عشنا في لبنان، ثم انتقلت لمصر للدراسة. وعندما جاءت "أوسلو" بدت الفرصة لنعود للوطن.
2014: عباراتها مؤلمة: "دون بصر كل شيء يتغير"، و"عشت القصف في لبنان وغزة أربع مرات". وتخبرني عن حال الناس بعد الهدنة (حادثتها قبل تجدد المواجهة): النّاس في الشارع تتفقد بعضها، فرحون أنّهم على قيد الحياة، وكلما رأوا شخصا هنّأوه، كأنهم يقولون "ممتاز، شخص آخر نعرفه على قيد الحياة". وفي الوقت ذاته خائفون مما سيأتي. أُخبرها عن غزّي يستيقظ فيبدأ بتفقد أعضاء جسمه، وأنّه على قيد الحياة، ثم يبدأ النظر ليتأكد من وجود الآخرين. ضَحِكَت وقالت: قد يحدث هذا إذا كان النوم ممكناً، غالبا بعد دقائق تُوقظك قذيفة ولا تعود للنوم.
أميّز بين أصوات قذائف، ما يأتي من البحر وما يأتي من الجو، وأعرف ماذا يعقُب سماع الطائرة "الزنّانة"، والمرعب أكثر؛ أحياناً يُهدم البيت قبل أن تسمع الصوت.
تقول: "أشعر التاريخ يعيد نفسه"، كأني أخرج من الرّكام مجددا. تحدّثك عن التأرجح بين الهدنة والقصف، وارتفاع الأمل وانخفاضه. تُوافِق أنّ "شر البلية ما يضحك"؛ تُحدّثك عمّن داهمتهم القذائف أثناء الاستحمام، وكيف يُسرع الناس في استحمامهم خوفاً من لحظة القصف. وتتذكر الافتقار للمياه، وأنّ هذا أصعب ما واجهته. كانت تبحث عبر الهاتف عمّن يأتي لها بالماء، وتفاقَم الأمرعندما لجأ لبيتها أصدقاء نزحوا من مناطق أكثر اشتعالا. وتأسف للطعام الذي ألقي بالقمامة بعد انقطاع الكهرباء عن الثلاجات.
يعتري صوتها بعض ارتياح وهي تحدثك عن بدء إصلاح خطوط الكهرباء، وبعض رضا عن تقنيات هاتف وكمبيوتر تساعد في تخطي الإعاقة البصرية، وعن استمرار عملها عبر الكمبيوتر رغم بعدها عن المكاتب وأماكن التدريس التي تعمل فيها.
بعد سنوات: هل ستكون حرب أخرى؟ أم فصل نجاحات من قد تصبح الدكتورة دلال؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رد على سوال سليمان (احمد)

    الجمعة 22 آب / أغسطس 2014.
    شكرا سليمان. لقد قرات ربما في العام ٢٠٠٨ شيء عن الفقرة الثانية في المقال. وقد وضعت اذا لاحظت اعلاه بين قوسين ان ما في هذه الفقرة رويته سابقا . وفكرة المقال ان المعاناة لا تتوقف والقصص لا تنتهي رغم الامل والاصرار على النجاح وبالتالي هذه قصة كتبت بعض فصولها سابقا وها هي لا تتوقف. هو التيه والتغريبة وتجدد النكبة كما نوى في غزة. فكيف ستكون قرات المقال وهو يتحدث عن ما حدث قبل ايام؟. شكرا جزيلا لمتابعتك وذاكرتك وملاحظتك
  • »هل قرات هذا المقال لك من قبل (suleiman)

    الجمعة 22 آب / أغسطس 2014.
    استاذي وصديقي
    اشعر باني قد قرات لك مقالا في السابق يشابه هذا المقال .
    ربما ليس نفسة لكن هو نغس الاحساس بالمرارة والحزن والشعور بالمسؤولية والتي كانت مسيطرة على كتابة مقالك ... لا اعلم
    لكن تبقى كاتب متميز واتعلم منه الكثير دوما