أبو مازن هو المنتصر الحقيقي في الحرب

تم نشره في الأربعاء 27 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

يديعوت أحرونوت

ناحوم برنياع

لا تكون النهاية طيبة دائما ولا كل شيء طيب. والخوف هو أن نكون قد مهدنا الطريق للجولة التالية في لبنان أو في غزة بدل أن نمهد الطريق لإزالة التهديد من غزة. لكن هذا ما وهبته لنا حكومتنا وما سنضطر للعيش معه.
كان آخر خلل في السلسلة الفشل في الإفضاء الى قرار عن مجلس الأمن قبل الاتفاق على هدنة. وانحصرت الصيغة التي صيغت بمشاركة الاميركيين في الواقع في غزة في اليوم الذي يلي القتال. واشتملت على دعوة الى نزع سلاح غزة. وكانت ستُحسن حال اسرائيل السياسية وتجعل من الصعب على تركيا وقطر الاستمرار على دعم حماس.
بيد أن نتنياهو خشي من الثمن السياسي، وحينما اقتنع بالاتجاه الى ذلك كان الوقت أصبح متأخرا جدا. فإذا وجد قرار عن مجلس الأمن فسيصاغ بطريقة أقل راحة لاسرائيل. وأكثر مناسبة لمقاييس أبو مازن.
أبو مازن هو المنتصر الحقيقي في الحرب. فحماس نالت المجد في الشارع الفلسطيني لكنه نال هو والسلطة السيطرة على مسار تعمير غزة وهو مسار سيصاحبه تحويل مليارات. ويحظى أبو مازن اليوم بمنزلة زعيم ايجابي وشريك ذي شرعية لا في العالم العربي والنظام الدولي فقط بل في نظر الرأي العام في اسرائيل ايضا. وربما كانت عملية الجرف الصامد هي الطبق الفضي الذي ستقوم فوقه دولة فلسطين.
انتهت مواجهات عسكرية مع منظمات مسلحة في الماضي بدعم دولي معلن لاسرائيل وهذا ما كان بعد انتهاء حرب لبنان الثانية، بقرار مجلس الأمن، وبعد انتهاء عملية الرصاص المصبوب بالزيارة المعلنة لوزراء الخارجية الاوروبيين لاسرائيل. وكان ذلك الحدثان في فترة حكم حكومة اولمرت. بيد أن حكومة اسرائيل لم تبادر هذه المرة الى إجراء، بل انحصرت عناية وزير الخارجية في امور اخرى ولم يبادر رئيس الوزراء الى مبادرة منه.
إن ما حصلنا عليه في القاهرة هو عمود السحاب رقم 2. وكان يمكن أن يعتبر إنجازا بعد اسبوعين من بدء العملية حينما لم تكن الأثمان التي دفعناها مرتفعة جدا. وكان سيكون محتملا بعد شهر، أما بعد خمسين يوما فيمكن أن نأسف فقط لما كان وأن نأمل الخير في المستقبل.
لم يسارع خالد مشعل الى الموافقة على هذه التسوية. والفرض في اسرائيل هو أن قادة حماس في غزة فرضوا عليه أن يوافق بسبب الأزمة المتراكمة وضغط السكان.
وتبينت للاسرائيليين خلال هذه الفترة عدة حقائق غير مريحة احداها أنه برغم حرية العمل المطلقة للجيش الاسرائيلي في الجو وفي البحر، وبرغم عظم النيران على الارض وبرغم الحماية شبه المطلقة من اصابة القذائف الصاروخية، لم تكن اسرائيل قادرة على أن تهزم منظمة ارهاب صغيرة نسبيا ومعزولة في العالم العربي.
والثانية أن الحروب والحروب المحدودة ايضا تتطلب أثمانا لم يتوقع الجمهور الاسرائيلي دفعها ولا يسارع الى دفعها. وقد دُفع الثمن هذه المرة من دم المقاتلين قبل كل شيء؛ ومن دماء مواطنين في الجنوب وهم مواطنون تخلت عنهم الحكومة طوال ايام العملية، وبالتشويش على الحياة في المركز وبعشرات مليارات الشواكل التي خسرها الاقتصاد وبنفقات أمنية وأضرار مادية وانخفاض النشاط الاقتصادي.
والثالثة أنه تبين للاسرائيليين أنه ليست لهم حكومة. وقد أدرك المستوى السياسي قبيل العملية أنه اذا استمر على خنق غزة فستطلق حماس النار. فلو أنه عمل فلربما كانت مُنعت المواجهة العسكرية.
أدار الجيش في واقع الأمر هذه المعركة، ولم تطلب قيادة الجيش الاسرائيلي العليا هذا العمل لنفسها. بالعكس دخلت بغير حماسة ظاهرة في الفراغ الذي نشأ فوقها في المستوى السياسي.
كانت تلك المواجهة بالنسبة لنتنياهو أول مواجهة عسكرية مهمة في كل فترات ولايته لرئاسة الوزراء، وكانت امتحانه الأكبر، بقدر كبير.
وانتظر الاسرائيليون زعيما وسياسيا يعرف ما الذي يريد أن يحرزه، ويتخذ قرارات ويجري حديثا صادقا حقيقيا مع جمهوره فحصلوا على متكلم فصيح وعلى القليل جدا سوى ذلك.
وحينما ننظر الى الوراء، الى خمسين يوما من هذه العملية، يتبين لنا ما لا يحصى من المباحثات والنقاشات الكثيرة الثرثرة.
لكن يصعب علينا أن نعثر على قرار مهم واحد لنتنياهو، وعلى عمل واحد يمكن أن ينسبه الى نفسه، فهو لم يجد في قلبه الشجاعة ليقول للاسرائيليين: أيها المواطنون الأعزاء، يؤسفني. كنت أدعوكم منذ عشرات السنين الى أنه توجد طريقة واحدة فقط لعلاج منظمة ارهاب وهي القضاء عليها، فلا يجوز مفاوضتها ولا تجوز المصالحة.
وكنت مخطئا. ولهذا أُجري الآن تحت إطلاق النار محادثات تقارب مع حماس وأسعى الى تسوية فليس عندي شيء آخر. لكن هذه الخطبة لم توجد بالطبع.
ليست الزعامة فقط هي التي لم يحصل الإسرائيليون عليها بل لم يحصلوا ايضا على الشفافية والصدق. فلم توجد سوى خطب عصماء عن الحيوانات البشرية في غزة وتفاوض مع تلك الحيوانات البشرية في مقابل ذلك.
وكان الى جانبه وزير الدفاع بوغي يعلون زاما شفتيه خامدا. بعد بضع سنوات سيُطرح في مسابقة معلومات عامة سؤال: "من كان وزير دفاع اسرائيل في فترة عملية الجرف الصامد؟"، ولن ينجح المجيبون في التخمين حتى ولا مقابل مليون شيكل.
لم يتبين للمواطنين الاسرائيليين فقط أنه لا زعامة لهم بل لوزراء المجلس الوزاري المصغر ايضا. وقد كانت مناوشات في القيادة العليا في كل المواجهات العسكرية التي عرفتها اسرائيل والذي برز هذه المرة بروزا سيئا تحطيم قواعد اللعب، فقد فقدَ وزراء في المجلس الوزاري المصغر ما كان بقي عندهم من ثقة برئيس الوزراء، وفقد رئيس الوزراء بقايا استعداده لإشراكهم فيما يجري.
وعرف الوزراء بالموافقة الاسرائيلية على الهدنة بإبلاغ في الهاتف - وهذه نهاية مُهينة لمسار مخجل.
والحقيقة غير المريحة الرابعة التي تبينت للاسرائيليين خلال العملية هو أنه صار أصعب على اليهود والعرب أن ينشئوا إطار حياة مشتركا، فقد زاد اليهود والعرب تطرفا وأصبحت مظاهر العنصرية مشروعة وأصبح تهديد حياة فنانين وصحفيين أمرا يوميا. وهذا الواقع الخطير خطر على الخطاب الديمقراطي وخطر على التعايش الداخلي وهي من الثمرات المسمومة التي تخلفها المواجهة العسكرية في غزة.
وهي تخلف أمرا مثيرا آخر وهو الرواسب المُرة التي نشأت في العلاقات بالولايات المتحدة، فقد دفعت اسرائيل عن قصف غزة بمظاهرات عاصفة في اوروبا وباتساع مقلق للمقاطعة الدولية، وكان ذلك متوقعا على التقريب، وكان تحقيق مجلس الأمم المتحدة المعادي لاسرائيل متوقعا ايضا، بيد أن المواجهة مع الادارة الاميركية لم يكن لها داع.
يُفترض بحسب الاتفاق أن تعود اسرائيل والفلسطينيون الى طاولة المحادثات خلال شهر، وكان هذا من المكافآت التي حصل عليها خالد مشعل مقابل موافقته على شهر هدنة. وستتم المباحثات في تعمير غزة قبيل الأعياد وهذا توقيت جد غير مريح بالنسبة للإسرائيليين لأنه كيف تُعد للعيد وحماس تهدد بتجديد إطلاق النار مرة أخرى.

التعليق