متلازمة سرعة التوقف

تم نشره في الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً

ستيفن س. روتش*

نيوهافين ـ  يبدو أن الانتكاس أصبح هو القاعدة في الاقتصاد العالمي بعد الأزمة. ففي الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، تعثر نمو الناتج المحلي الإجمالي مرة أخرى في النصف الأول من العام 2014. وهذه الانتكاسات ليست من قبيل المصادفة. فقد أصبحت الاقتصادات الكبرى عُرضة إلى حد غير عادي لعثرات حتمية على الطريق بسبب النمو المتباطئ في مختلف أنحاء العالم المتقدم.
هناك أعذار بكل تأكيد ــ وهذه هي الحال دوما. فقد اعتبر الانكماش في الاقتصاد الأميركي في الربع الأول من العام مرتبطاً بالطقس السيئ. وأرجع الهبوط في اليابان في الربع الثاني إلى الارتفاع الحاد في ضريبة المبيعات. وفسر النمو الراكد في أوروبا في الربع الثاني بوصفه انحرافاً يعكس تزامن تأثيرات الطقس مع العقوبات المفروضة على روسيا.
وبقدر ما قد يكون من المغري أن نعزو هذه التطورات إلى عوامل خاصة، فإن التباطؤ الأخير في البلدان المتقدمة لا يمكن إخراجه من المعادلة ببساطة. فمع الافتقار إلى القوة الدورية في أعقاب حالات الركود الشديدة، تجد اقتصادات اليوم صعوبة شديدة في التقليل من أهمية التأثير الذي تخلفه الصدمات ومسارات النمو الهزيل.
ولنتأمل هنا حالة الولايات المتحدة. فبرغم التقديرات التي تؤكد ارتداد نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي إلى 4 % في الربع الثاني من العام 2014، بعد الانكماش بنسبة 2.1 % في الربع الأول، فإن هذا يجعل متوسط النمو في النصف الأول من العام 1 % تافهة.
والمشكلة أسوأ في اليابان، حيث سارع المستهلكون إلى الإنفاق ترقباً للزيادة الحادة في ضريبة المبيعات. وكان هذا سبباً في طفرة النمو التي بلغت 6.1 % في الربع الأول، ولكن جاء الانكماش بنسبة 6.8 % في الربع الثاني ليذهب نمو الربع الأول أدراج الرياح. أي أن النتيجة الصافية في النصف الأول من هذا العام ــ الانحدار بنسبة 0.3 % في المتوسط ــ تتفق عموماً مع الانكماش الذي تم تقديره بنسبة 0.2 % في الربع الأخير من العام 2013. ومع انتقال مسار النمو الحقيقي (المعدل حسب التضخم) إلى المنطقة السلبية في المتوسط لثلاثة أرباع متتالية، فمن المحتمل أن تعود اليابان مرة أخرى إلى الركود.
وعلى نحو مماثل، فشل اقتصاد أوروبا الهش في التعافي بالقوة الكافية لدرء نكسات النمو الدورية. فأثناء المرحلة الحادة من أزمة اليورو، كان الركود متركزاً في الاقتصادات الطرفية مثل اليونان والبرتغال وأسبانيا. ولكن الآن، انتشرت الوعكة إلى اقتصادات القلب مثل ألمانيا وإيطاليا حيث انكمش النمو في البلدين في الربع الثاني، وإلى فرنسا التي كان نموها صِفرا.
ونتيجة لهذا، انحدر النمو السنوي في دول منطقة اليورو الثماني عشرة إلى
0.4 % فقط في النصف الأول من العام 2014. ومن غير الممكن أن يؤدي هذا الأداء الهزيل إلا إلى تفاقم تخوفات البنك المركزي الأوروبي من الانكماش.
في الإجمال، بلغ متوسط معدل النمو السنوي في الاقتصادات المتقدمة الكبرى أقل قليلا من 0.7 % في النصف الأول من العام 2014. وجاءت الولايات المتحدة في المقدمة بنمو هزيل بلغ 1 %، في حين لم تتجاوز الزيادة في اليابان وأوروبا، حيث الناتج المحلي الإجمالي المجمع يعادل تقريباً نظيره في الولايات المتحدة من حيث تعادل القوة الشرائية، 0.3 %. وبالمقارنة فإن هذا يأتي أقل بنحو نقطة مئوية إلى نقطة ونصف النقطة عن اتجاه النمو الطويل الأجل أو المحتمل في العالم النامي ــ وهي نتيجة مقلقة على أقل تقدير عندما يتعلق الأمر بتشغيل العمالة، وخطر الانكماش، والتجارة العالمية، والاقتصادات النامية المعتمدة على التصدير، مثل الصين التي تظل معتمدة بشدة على الطلب الخارجي في البلدان المتقدمة.
ولكن هناك مشكلة أخرى تتعلق باستمرار النمو الضعيف: فهو لا يوفر أي قدر من تخفيف الصدمات لحماية الاقتصادات من الضربات غير المتوقعة. ويصدق هذا بشكل خاص عندما يهبط النمو إلى ما دون 1 %، فلا يترك سوى هامش رقيق بين التوسع والانكماش. ويعادل هذا الأداء المتباطئ "سرعة التوقف" ــ حالة شديدة الخطورة قد تواجهها الطائرات عندما تتباطأ سرعتها بشكل كبير. وفي ظل هذه الظروف لا يتطلب الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تضطر الطائرة إلى إجهاض عملية الإقلاع، أو ما هو أسوأ.
الواقع أن هذا القياس ملائم تماماً اليوم. فالصدمات، سواء أرجعناها إلى الطقس أو الاضطرابات الجيوسياسية أو الإضرابات أو الكوارث الطبيعية، هي القاعدة وليست الاستثناء. وعندما تصيب الاقتصادات التي تتسم بالنمو القوي فإنها تتمكن من تحملها بفضل مخففات الصدمات والقدر الكافي من المرونة. أما الاقتصادات التي تقترب من سرعة التوقف فإنها تعجز عن تحملها والتصدي لها. ولا ينبغي لنا أبداً أن نستهين باحتمالات الانتكاس إلى الركود في بيئة تتسم بالنمو الضعيف إلى هذا الحد غير العادي ــ كما هي الحال اليوم.
والسؤال الأكبر الآن هو ماذا ينبغي لنا أن نفعل حيال ذلك. الواقع أن النهج الحالي الذي يركز على السياسة النقدية غير التقليدية ليس هو الحل. فرغم أن السياسة النقدية قدمت ترياقاً قوياً لتحريك أسواق الائتمان الجامدة في أوج الأزمة المالية العالمية، فإنها فشلت في إشعال شرارة التعافي الدوري التقليدي.
ولا ينبغي لهذا أن يدهشنا. ذلك أن الاقتصادات المتقدمة الكبرى في العالم لا تعاني من عجز دوري في الطلب الكلي قد يستجيب للعلاج النقدي. فكما يشير بنك التسويات الدولية عن حق لا تزال الاقتصادات المتقدمة الكبرى تكافح في أعقاب الركود الموجع الذي أصاب ميزانياتها العمومية.
في الولايات المتحدة، يعني العبء المتخلف عن ديون الأسر أن الأولوية تظل لتقليص الديون وإعادة بناء المدخرات قبل الاستهلاك التقديري. وفي اليابان، يظل من غير الممكن علاج المشاكل البنيوية القائمة منذ فترة طويلة، مثل الشيخوخة السكانية وجمود أسواق العمل والوعكة الإنتاجية العامة، إلا من خلال "السهم الثالث" في جعبة أجندة الإصلاح التي أقرها رئيس الوزراء شينزو آبي، والتي تظل غير مكتملة إلى حد يُرثى له. وتواجه أوروبا احتياجاً شديداً إلى بناء مؤسسات شاملة لعموم أوروبا لضمان الاتحاد المصرفي والمالي، ومعالجة المشاكل الخطيرة المتصلة بالقدرة التنافسية في فرنسا وإيطاليا.
من المؤسف أنه كلما أعطت البنوك المركزية الانطباع بأنها تعكف على حل المشكلة، كلما هللت لها الأسواق وتضاءلت الضغوط المفروضة على الحكومات الجامدة سياسياً لحملها على توظيف السياسة المالية والمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات البنيوية. وعلاوة على ذلك، فإن الهوس بالمواءمة النقدية يجعل الاقتصادات المتباطئة النمو ذات الميزانيات المقيدة عالقة قُرب سرعة التوقف، وهو ما من شأنه أن يزيد من خطر الانزلاق إلى انتكاسة نمو عالمية أخرى.
يتعين على السلطات القصيرة النظر أن تكف عن الاهتداء بالأسواق المالية المضطربة وأن تزيد من تركيزها على إصلاح عالم ما بعد الأزمة هيكليا. هذا هو وقت الأبطال وليس زمن المصفقين والمهللين.

*عضو هيئة التدريس في جامعة ييل.
خاص بـ _ بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق